د. عائشة بنت مفتي القرشي
موجات التسونامي ذات خطورة عالية ويمكن ان تتسبب في دمار هائل ومقتل مئات الآلاف من البشر ومحو مدنهم، لكن كونها نادرة الحدوث بالإضافة الى محدودية المعلومات عن تسونامي جعل البعض يتجاهل اخذها في عين الاعتبار عند التخطيط، ووضع نظام رسمي للتحذير من تسونامي، عدا في الفترة الأخيرة.
تسجيل 58 حدثا للتسونامي في القرن الماضي فقط، لكن تسبب في مقتل اكثر من 260 ألف شخص، كما وثقت الوكالة الحكومية الأميركية أكثر من 1200 تسونامي مؤكد بين عامي 1610 قبل الميلاد و2017 بعد الميلاد، من بينها ما لا يقل عن تسونامي 250 قاتلا. وتبين الدراسات انه في المتوسط يتسبب كل حادث تسونامي في وفاة 4600 شخصا، وهذا يفوق ما قد تسببه أي كارثة طبيعية أخرى، ولهذا حددت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 5 تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام يوما عالميا بهدف التوعية بخطورة أمواج تسونامي، وأهمية الحد من المخاطر التي تسببها، من اجل تحسين استعداد المجتمع لمواجهتها، وتبادل الأساليب المبتكرة للحد من تداعياتها.
وفقًا للإحصائيات الواردة في تقرير “NCEI”، تتركز معظم أحداث التسونامي في المحيط الهادئ (بنسبة 70%)، يليها البحر الأبيض المتوسط (15%)، ثم البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي (9%)، وأخيرًا المحيط الهندي (6%).
ورغم انه من المعروف ان امواج التسونامي تضرب المناطق الساحلية فقط، لكن تأثيراتها هائلة ومدمرة بحيث يمكنها أن تؤثر على أحواض المحيطات بأكملها، وقد شهدنا في العام 2004م تسونامي مدمر على جزيرة سومطرة الإندونيسية، والذي اثر على 14 دولة متاخمة للمحيط الهندي، موديا بحياة أكثر من 230 ألف شخص، وكان الاشد فتكا وفق الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي.
ويعد زلزال فالديفيا عام 1960 م، وزلزال ألاسكا عام 1964، وزلزال توهوكو عام 2011 كلها أمثلة على الزلازل القوية التي ولدت موجات تسونامي هائلة تمكنت من عبور المحيطات بأكملها. كما يمكن للزلازل الأصغر حجما كالتي حدثت في اليابان في العام 2011 ومحت بلدات، وأدت الى انصهار في المفاعلات النووية في فوكوشيما، متسببة في مقتل أكثر من 18 ألف شخص، أن تتسبب في حدوث موجات تسونامي لها القدرة على تدمير مساحات شاسعة من الساحل وفي بضعة دقائق فقط.
الجدير بالذكر ووفقًا لتقرير صادر عن مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث، وحسب توقعات مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث (2020)، فإن بعض الدول العربية في شمال إفريقيا مثل مصر والجزائر والمغرب وتونس معرضة أكثر من غيرها لموجات تسونامي بسبب تعرضها للنشاط الزلزالي، كما كشف مؤشر المخاطر العالمي لعام 2022م أن دول الخليج الست من بين الدول الأكثر عرضة لمخاطر تغير المناخ والكوارث الطبيعية إلى جانب مصر واليمن والصومال، حيث أن منطقة الخليج العربي تقع ضمن ما يسمى بالصفيحة العربية (إحدى الصفائح المكوِّنة للقشرة الأرضية). كذلك خلصت دراسة علمية لباحثون من جامعات ألمانية إلى أنه قبل حوالي ألف عام ضرب تسونامي مدمرا سواحل سلطنة عمان وصل طول أمواجه إلى 15 مترا، مما يدل على إن المنطقة ليست في مأمن من تسونامي بالقوة نفسها أو أقل حسب الدراسة، حيث أن الصفائح التكتونية لساحل عمان وشبه الجزيرة العربية تتداخل مع الصفائح التكتونية لقارة آسيا في أعماق بحر عمان، ويقتربان من بعضهما بمسافة أربع سنتيمترات كل عام.
لكن ما هي موجات تسونامي، وكيف، ولماذا تحدث؟
مصطلح “تسونامي” جاء من كلمة تسونامي اليابانية 津波، والتي تعني “موجة الميناء”. كما اسماها الصيادين من القرى الساحلية والذين لاحظوا انهم لا يواجهون أي أمواج كبيرة خلال فترة وجودهم في البحر عند خروجهم لصيد الأسماك، لكن كانوا يفاجؤون عند عودتهم إلى الشاطئ بدمار قريتهم بسبب الامواج الهائلة.
ويعرف التسونامي علميا “انه سلسلة من الموجات التي تحدث في جسم مائي بسبب إزاحة كمية كبيرة من الماء في محيط أو بحيرة شاسعة”، حيث تحدث معظم الزلازل القوية في مناطق الاندساس حين تنزلق شرائح لوحة المحيط تحت الصفيحة القارية أو لوحة محيط أصغر تحت سطح البحر، فيتولد التسونامي حين تتحرك صدوع الدفع المرتبطة بحدود الصفائح المتقاربة أو المدمرة بشكل مفاجئ، مما يؤدي إلى إزاحة الماء بسبب المكون الرأسي للحركة المعنية. ويمكن أن تتسبب الحركة على الصدوع العادية أيضًا في إزاحة قاع البحر، ولكن تلك التي ترتبط عادةً بالثني في الخندق الخارجي المنتفخ، هي التي تسبب إزاحة كافية تؤدي إلى حدوث تسونامي اكبر واخطر.
وتتكون موجات التسونامي عادة من سلسلة من الموجات قد يصل ارتفاعها إلى عشرات الأمتار، تتراوح مدتها من دقائق إلى ساعات، وتوضح الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي بأنه “في أعماق المحيط، لا يزداد ارتفاع أمواج التسونامي بشكل كبير، ولكن مع انتقال الأمواج إلى اليابسة، فإنها ترتفع إلى ارتفاعات أعلى مع انخفاض عمق المحيط”. وتسير الموجات بسرعة هائلة فوق المياه العميقة، إذ تتراوح سرعة الأمواج بين 500 -800 كم/ الساعة في الأعماق، لكن تتباطأ عندما تصل إلى المياه الضحلة، فتتراجع سرعتها إلى 20 – 30 كلم/ الساعة مع اقترابها من الشاطئ. يجب ملاحظة ان موجات التسونامي مختلفة تماما عن الأمواج العاتية بسبب العواصف المدارية الناتجة عن الظروف الجوية بسبب اختلاف الديناميكيات، كما انها غير قادرة على الانتشار خارج مصادرها كما تفعل موجات التسونامي.
ويحدث التسونامي بسبب بعض الظواهر الطبيعية مثل الزلازل، والانفجارات البركانية، وثوران البراكين، والانهيارات الأرضية، وانقسام الأنهار الجليدية، وتساقط الصخور الساحلية، كما يعتقد بعض العلماء ان النيازك، او سقوط كويكب كبير، بالإضافة الى الاضطرابات الأخرى في المحيط قد تتسبب في ذلك، وايضا الاختبارات النووية، وكانت هنالك محاولات لصنع موجات التسونامي لإستخدامها كسلاح تكتوني ابان الحرب العالمية لكنها فشلت.
الجدير بالذكر ان المؤرخ اليوناني ثوسيديدس كان أول من أشار الى أن زلازل المحيطات لا بد أن تكون السبب وراء التسونامي، وذلك في كتابه “تاريخ الحرب البيلوبونيسية” عام 426 قبل الميلاد. لكن يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الكثير من المناطق في المحيط الهادئ نشطة زلزاليا، ولكن ليس كل زلزال يمكنه توليد تسونامي حيث يجب أن يكون زلزالا قويا (لا يقل عن حجم 6.5 على مقياس ريختر) يحدث تحت المحيط وعلى عمق ضحل، ممزقا سطح الأرض، ومتسببا في حركة عمودية لقاع البحر ليفعل.
إن العمل على الحد من مخاطر التسونامي يحتاج الى استعداد مبكر للمجتمعات المعنية، وملاحظة اي تغييرات على الساحل وسطح البحر، مع استخدام أنظمة إنذار مبكر لرصد وتسجيل الزلازل ومستوى سطح البحر، ونقل التنبيهات إلى مراكز معلومات التسونامي الوطنية، للتحذير من أمواج تسونامي والتخفيف من تداعياته، بالإضافة الى التصرف بشكل سريع لخفض معدل الوفيات، والحيلولة دون حدوث كوارث بسبب التسونامي، رغم استحالة التنبؤ بدقة بحدوث تسونامي، حتى لو كان حجم الزلزال وموقعه معروفين.

