الكاتب أحمد عبدالرحمن سنكي
في العالم العربي، كان الإعلام التقليدي – الصحف، الإذاعات، القنوات الفضائية – هو الحاكم بأمره في الساحة الإعلامية لسنوات طويلة.
لكن مع صعود الإعلام الجديد، وظهور منصات التواصل الاجتماعي، وطفرة البث الفردي، تغير المشهد جذريًا، وبدأت أسئلة كبيرة تُطرح حول العلاقة بين القديم والجديد، بين الرسمي والشعبي، بين القنوات والهواتف.
فهل نحن أمام صراع فعلي بين الإعلامين؟ وهل يخشى الإعلام التقليدي من خسارة جمهوره لصالح محتوى رقمي أكثر جذبًا وتفاعلًا؟
الواقع يقول إن العلاقة معقدة. فمن جهة، شهدت المؤسسات التقليدية تراجعًا في نسب المشاهدة والقراءة، وفقدت جزءًا كبيرًا من جمهورها لصالح المنصات الجديدة، خصوصًا فئة الشباب الذين باتوا يستهلكون المعلومة والترفيه عبر “الستوري” و”الفيديو القصير” و”البث المباشر”، لا عبر النشرات الإخبارية أو المقالات المطوّلة.
ومن جهة أخرى، حاول الإعلام التقليدي أن يتكيّف مع المعادلة الجديدة، فأنشأ حسابات على تويتر ويوتيوب وإنستغرام، وبدأ يبث محتواه عبر هذه القنوات، بل واستعان ببعض المؤثرين لزيادة الوصول والتفاعل.
لكن التكيّف لم يكن دائمًا سلسًا، إذ بقي المحتوى تقليديًا في روحه، وإن تغير شكله، ولم يواكب كثير من المؤسسات روح المنصات الجديدة القائمة على التفاعل والسرعة والتجديد المستمر.
ما يخشاه الإعلام التقليدي فعلًا ليس فقط المنافسة، بل فقدان الهيبة، والقدرة على “تحديد الأجندة الإعلامية”، بعدما أصبحت المنصات الاجتماعية هي التي تُحدد ما يُناقَش، ومتى، وبأي لغة.
لقد أصبح صوت المواطن العادي مساويًا، بل وأحيانًا أعلى من صوت المحلل السياسي أو المراسل الخبير، وصار كل شخص قادرًا على أن يكون “قناة” مستقلة بحد ذاته.
ورغم ذلك، لا يمكن للإعلام التقليدي أن يختفي، لأنه ما زال يحتفظ بمقومات لا تملكها المنصات الفردية: الخبرة، المهنية، الوصول إلى المصادر، والقدرة على التحقيق العميق. لكن المطلوب هو تجديد المحتوى، وتجديد العقلية، والانفتاح على أدوات العصر دون خوف أو تردد.
في المقابل، فإن الإعلام الجديد، رغم حيويته وسرعته، يعاني من مشكلات كبرى تتعلق بالدقة، والمصداقية، والانضباط. ولذلك فإن المستقبل، على الأرجح، سيكون لمن يملك القدرة على الدمج بين الأسلوب الجديد، والضوابط القديمة؛ بين الحرية والانضباط؛ بين التفاعلية والمهنية.
ختامًا، لا يجب أن يكون السؤال: من ينتصر؟ بل كيف يتكامل الإعلام التقليدي والجديد؟
فكلاهما أصبحا جزءًا من مشهد واحد، تتعدد فيه الأصوات، وتتنوع فيه المنابر، ويبقى التحدي الحقيقي هو في بناء إعلام عربي معاصر، متجدد، يحترم جمهوره، ويعبّر عنه، ويصنع له مساحته في عصر لا يرحم المتأخرين.

