د. مها الجبر
لا أُحبّ أن أبدو غير متفائلة، أو أحملُ شيئًا من السلبيّة، لكن كثيرًا ما أتساءل: ماذا غيّرت فينا شبكات التواصل الاجتماعي!؟، وأقف بعدها أمام مدى تصعب رؤية آخره. ولأن السنوات الأخيرة شهدت تحوّلات مختلفة فيما يخص علاقة الإنسان بالفنون؛ وهذه التغيرات اختلفت باختلاف زاوية رؤية المرء للفنّ، إما بتأثير الأيدولوجيا أو بالسياق الثقافي للفنّ ذاته، أو بوعي الإنسان وإدراكه لأهمية الفنّ وارتباطه بالفلسفة لدى بعض المفكرين… إلخ، فكان لهذه الشبكات أثر كبير في تذوّق الفن/الفنون. ورغم أن ضمن أدوارها الرئيسية نشر المحتوى، بما في ذلك المحتوى الفنّي إلّا أن هذا الدور تقاطع بشكلٍ كبير مع المستوى الذوقي للمتلقي والتأثير فيه.
وقبل أن أتحدّث في التأثير سأشير لأبرز التحولات؛ والتي منها أن هذه الشبكات: فكّكت المعايير الفنيّة حيث إن استهلاك الفنون كان مقتصرًا على النخب لأن الاستمتاع بها والغوص فيها يتطلب جهدًا معرفيًا وحسيًا والآن أصبحت متاحة للجميع دون حواجز النقد والتقييم. في السابق، وبالرغم من وجود معايير التقييم والنقد بصفتها حواجز للوصول، كان الجيّد من الفنّ هو ما يصل في الغالب، وتبقى جمالياته مُمتدة عبر السنين بينما الآن أصبح الفن متصلًا بالترند والانتشار بغض النظر عن الجودة وهذا ما يتصل مع رؤية بورديو وأن الذوق يتكون بشكلٍ اجتماعي ومن خلال المجتمع.
وإذا ما حاولت حصر التأثير على انحدار الذائقة الفنيّة فيُمكن إجماله في: إتاحة الفنون بشكل لحظي وآني أدى إلى تراجع في معايير الذوق فالمتلقي يتعرّض لمحتوى بجودة متباينة دون وجود مرجعيّة نقدية، أيضًا أصبحت معايير جماليات الفنّ بعدد الإعجابات والمشاهدات لا بقيمتها الثقافية أو الفكرية. بالإضافة إلى هيمنة ثقافة الترند والتي تُشكل ضغطًا على صانعي الفنون لمواكبة المشهد، بل أصبحت مُعظم الفنون المعروضة نتيجة أنماط مُستهلكة ومُتكررة لتتسق مع متطلبات العصر دون المساهمة في بناء ذائقة فنيّة أو هويّة خاصّة.
يُمكن القول إن شبكات التواصل الاجتماعي ساعدت في كسر حواجز الوصول لكنها تسببت بشكلٍ رئيس في انحدار الذائقة الفنيّة وتسليع الفنّ بناءً على ذائقة الحشد. ورغم ذلك فأنا أستمتع بكُل ما أراه لأنه يعكس بشكلٍ أو بآخر تطوّر الإنسان وتقلباته مع التغيير من حوله.

