بندر بن عبدالله بن محمد
حين اعتلى دونالد ترمب سدّة الرئاسة، لم يكن مجرد رئيسٍ جديد للولايات المتحدة، بل كان ظاهرة سياسية تقلب المفاهيم المعتادة رأسًا على عقب.
رجل الأعمال القادم من عالم الصفقات، دخل البيت الأبيض وفي يده “عقليّة التاجر”، لا أوراق الدبلوماسي. أولى ضرباته لم تكن عسكرية ولا أيديولوجية، بل كانت اقتصادية بامتياز: التعريفات الجمركية.
ترمب قذف حجرًا ضخمًا في بحيرة النظام التجاري العالمي التي ظلت ساكنة لعقود. اتفاقيات التجارة الحرة التي وُقِّعت بين أمريكا وشركائها منذ التسعينيات، والتي بنت اقتصادًا معولمًا هشًا، كانت برأيه صفقات سيئة.
جاءت ضربته بإعادة تعريف مفهوم “الربح والخسارة” على مستوى الدول، لا الشركات فقط. فرض تعريفات جمركية على الصلب والألمنيوم، ثم على مئات السلع الصينية، وتبعها بالتهديد بفرضها على السيارات الأوروبية والكندية.
لم يأتِ لينتظر، بل وضع الجميع أمام الأمر الواقع، ثم منحهم ثلاثة أشهر كمهلة لمراجعة مواقفهم. تلك المهلة لم تكن دعوة للنقاش، بل فترة سماح قصيرة لاختبار ما يمكن اقتناصه من مكاسب.
خطابه كان واضحًا: “لن أقبل بأن تعود أمريكا إلى وضع اقتصادي كانت فيه الطرف الأضعف”.
ما يُميز ترمب عن أسلافه، أنه لا يُعلن نواياه كاملة. لم يكن يُشرك الكونغرس أو حتى كبار مسؤولي إدارته في نواياه العميقة، بل أبقى الأوراق بيده، ولم يُفصح عمّا في رأسه إلا لعدد قليل من المقربين، لا يُعرف على وجه التحديد من هم؟ هذه السرية زادت خصومه ارتباكًا، وأصدقاءه حذرًا.
سياسة ترمب الخارجية كانت امتدادًا لهذه الرؤية. رحلته إلى الشرق الأوسط كانت ضربة ذكية. لم تكن لأجل الأمن فقط، بل للبحث عن استثمارات ضخمة تدعم مشروعه الاقتصادي في الداخل.
وفي المقابل، كانت رسائل القوة حاضرة: رفع بعض القيود عن التعامل مع الملف السوري، لم يكن عبثًا. كانت رسالة موجهة إلى السعودية وتركيا: “أنا شريككم، ليس خصمكم”. فهو يعلم أن الشرق الأوسط ليس فقط ساحة أزمات، بل خزينة استثمارات وأوراق تفاوض.
وفي خطوة جريئة، ضرب ترمب بآراء الأوروبيين عرض الحائط، وفتح باب التفاوض المباشر مع الروس والأوكرانيين في تركيا، دون وساطة بروكسل أو استرضاء حلف الناتو.
هذه الحركة لم تكن فقط خروجًا عن البروتوكول، بل تحديًا علنيًا للنظام العالمي القديم الذي ترعرع بعد الحرب العالمية الثانية.
باختصار، ترمب كان يعيد رسم خريطة النفوذ العالمي، ولكن هذه المرة بأدوات المال والصفقات، لا بقواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان كما اعتاد الغرب.
لقد واجه ترمب انتقادات داخلية شرسة، واتهامات بأنه يهدد النظام الليبرالي العالمي، لكنه كان يرى في نفسه “منقذ أمريكا من الانحدار”.
أما الخارج، فكان يعيش حالة من القلق والترقّب، إذ لم تعد واشنطن حليفًا متوقّعًا، بل خصمًا يُفاوض بأسلوب السوق، لا قاعة الاجتماعات.
بعد صدمة ترمب: كيف ردّت الشركات الأمريكية والدول الصناعية؟
بعد أن قذف ترمب حجره في بركة التجارة الدولية، لم يكن التأثير محصورًا على خصومه فقط، بل وصل الارتباك إلى الداخل الأمريكي، حيث واجهت الشركات الأمريكية تحديات غير مسبوقة. إذ وجدت نفسها فجأة في قلب معركة تجارية، بعضها ضد حلفاء تاريخيين، والبعض الآخر ضد خصوم استراتيجيين مثل الصين.
أولًا: الشركات الأمريكية… بين المطرقة والسندان
شركات التصنيع الكبرى، خاصة في قطاع السيارات والتكنولوجيا والزراعة، دخلت حالة من القلق. فالتعريفات التي فرضتها الدول الأخرى كرد فعل على سياسات ترمب أصابت سلعها وأسواقها. شركة هارلي ديفيدسون على سبيل المثال نقلت جزءًا من إنتاجها إلى الخارج لتجنب التعريفات الأوروبية. أما شركات التكنولوجيا مثل آبل وإنتل فقد خشيت أن تكون أهدافًا في الحرب التجارية مع الصين، خصوصًا أن مصانعها ومورديها في شرق آسيا.
لكن على الجانب الآخر، استفادت شركات أمريكية أخرى من هذه السياسة، خاصة تلك التي كانت تئن من المنافسة الصينية الرخيصة، كقطاع الصلب والفحم. فرأى فيها بعض أصحاب المصانع “عودة لأمريكا العادلة”.
ثانيًا: الصين… التنين لا يسكت
الصين لم تنتظر طويلًا. بدأت بالرد الفوري بتعريفات مضادة شملت المنتجات الزراعية مثل فول الصويا، ما وجه ضربة قاسية للمزارعين الأمريكيين، خاصة في الولايات الجمهورية.
لكنها لم تكتفِ بذلك، بل بدأت تستخدم أوراقها التكنولوجية، مثل تهديد الشركات الأمريكية العاملة في الصين، وإبطاء تراخيصها، بل وتكثيف دعمها لشركات مثل هواوي وتيك توك كأدوات ناعمة في حرب النفوذ.
ترمب من جهته رفع سقف المواجهة بفرض المزيد من الرسوم، وبدأت مفاوضات شاقة، لكن رسالته كانت واضحة: “إما تجارة عادلة، أو لا تجارة”.
ثالثًا: أوروبا… الحليف الذي بات يشكّ
الاتحاد الأوروبي وجد نفسه فجأة في موقف الدفاع. تعريفات ترمب على واردات السيارات الأوروبية شكّلت تهديدًا خطيرًا على الاقتصاد الألماني تحديدًا.
الأوروبيون حاولوا التهدئة، وبدأوا مفاوضات لحماية مصالحهم، لكنهم فهموا أن ترمب لا ينتمي لمنظومة ما بعد الحرب، بل يتعامل معهم كما يتعامل مع أي خصم تجاري.
فرنسا وألمانيا عبّرتا عن خيبة أمل، وبدأتا التفكير بجدية في تقليل الاعتماد على واشنطن، سياسيًا واقتصاديًا.
رابعًا: كندا… الحليف الجار الذي لم يُستثنَ
رغم علاقته الوثيقة بجارتها، لم تُستثنَ كندا من التعريفات، خصوصًا في قطاع الألمنيوم والصلب. فردّت بإجراءات مماثلة، واستمرت المفاوضات حتى تم التوصل إلى نسخة محدثة من اتفاقية نافتا، أطلق عليها ترمب اسم USMCA، وكانت تتضمن شروطًا أكثر صرامة لصالح المصنّعين الأمريكيين.
خامسًا: المكسيك… تحت الضغط
المكسيك، التي طالما صوّرها ترمب كـ”مصدر للمشاكل الاقتصادية والهجرة”، وجدت نفسها في مواجهة ضغوطات شديدة. تم تهديدها بتعريفات جمركية واسعة إن لم تضبط الهجرة، حتى تحوّلت التجارة إلى أداة ضغط في ملف سياسي.
وفي النهاية، رضخت المكسيك لكثير من شروط أمريكا في الاتفاقية الجديدة.
خاتمة: منطق القوة بدلًا من قواعد اللعبة
سياسات ترمب لم تكن عابرة، بل أسست لنمط جديد من العلاقات الدولية: منطق القوة والربح بدلًا من قواعد المؤسسات والتحالفات.
الشركات الأمريكية تعلمت أن الداخل والخارج أصبحا ساحة واحدة، وأن قرارات البيت الأبيض قد تفتح لها أبوابًا أو تغلق أسواقًا في لحظة، كان في رأس ترمب تنمية المهنيين (الفنيين) وفي نظري أن أنه أعطى مهلة للشركات الأمريكية المتضررة في نقل تصنيعها للهند بدل الصين لتوفر المهنيين هناك لحين يتم توفير المهنيين لديهم داخل أمريكا.
أما العالم، فقد أدرك أن أمريكا في عهد ترمب ليست كما كانت.

