خاص – الوئام
وسط التوترات العالمية المتزايدة وتحولات موازين القوى، يجد حلف شمال الأطلسي “الناتو” نفسه في مواجهة خطر وجودي متجدد قادم من الشرق؛ فروسيا، التي أنهكتها الحرب الطويلة في أوكرانيا، تعيد تنظيم قدراتها العسكرية وتوسّع بنيتها التحتية قرب حدود الحلف، مما يعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، لكن بسيناريوهات أكثر تعقيدًا وخطورة.
وبينما تصدح التحذيرات من العواصم الأوروبية، يتزايد الشعور بأن زمن الطمأنينة الأمنية قد شارف على نهايته، وأن الساحة الأوروبية تستعد لدخول مرحلة جديدة من سباق التسلح، في ظل تراجع الضمانات الأمريكية وانكفاء واشنطن نحو الداخل.
الجيش البريطاني
حذّر رئيس أركان الجيش البريطاني، الجنرال السير رولي ووكر، من أن حلف شمال الأطلسي يواجه تهديدات “جدية للغاية” تتطلب استجابة فورية. وخلال كلمته في معهد الخدمات المتحدة الملكي (RUSI) في لندن، قال: “علينا التعامل مع هذه التحديات بشكل جماعي، وأكبرها على الإطلاق هو ضيق الوقت”.
وأضاف ووكر: “نحن بحاجة إلى الإحساس بالإلحاح في مواجهة هذه التهديدات، وإلا سنكون متأخرين عن اللحاق بركب التطورات المتسارعة”، وذلك وفق ما نشرته مجلة نيوزويك الأمريكية.
تحذيرات استخباراتية أوروبية
تتزايد المخاوف داخل الناتو من احتمال شنّ روسيا هجومًا على الحلف خلال السنوات القليلة المقبلة. وقد أصدرت المخابرات الدفاعية الدنماركية في فبراير تقييمًا يفيد بأن روسيا قد تصبح قادرة على شنّ حرب واسعة ضد الناتو خلال خمس سنوات، خاصة إذا انسحبت الولايات المتحدة من التزاماتها الدفاعية.
وبدوره، أكد أوليه إيفاشينكو، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الأوكراني، أن روسيا ستكون قادرة على تنفيذ هجوم في أوروبا خلال عامين إلى أربعة بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا، وربما أسرع من ذلك في حال رُفعت العقوبات عنها.
روسيا تعزز قواعدها العسكرية قرب فنلندا
أفادت تقارير استخباراتية بأن روسيا بدأت في توسيع قواعدها العسكرية بالقرب من الحدود الفنلندية، في خطوة تشير إلى استعداد طويل الأمد لتعزيز وجودها على مقربة مباشرة من الناتو. وأظهرت صور أقمار صناعية حديثة، نشرتها صحيفة نيويورك تايمز هذا الشهر، تطورًا ملحوظًا في البنية التحتية العسكرية الروسية في هذه المناطق.
وتُعد فنلندا، التي انضمت مؤخرًا إلى الناتو، من أكثر الدول يقظة تجاه هذه التحركات. وقال مسؤولون فنلنديون إنهم يتابعون عن كثب كل تحرك روسي قرب الحدود المشتركة.
تهديدات هجينة
حذّر مسؤولو الناتو من تصاعد استخدام روسيا لأساليب الحرب الهجينة، وهي تكتيكات تهدف إلى زعزعة استقرار الخصوم دون الدخول في نزاع مباشر. وشهدت الأشهر الأخيرة حوادث تخريب لعدة كابلات بحرية في بحر البلطيق، الذي تهيمن عليه دول الناتو، ما اعتبرته الدول الأعضاء رسائل تحذيرية من موسكو.
ويرى بعض المحللين أن موسكو قد تلجأ إلى استخدام وحدات عسكرية سبق أن قاتلت في أوكرانيا لتنفيذ عمليات محدودة ضد أراضٍ تابعة للناتو، في محاولة لاختبار مدى استجابة الحلف.
ترمب يضغط على الناتو
أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قلقًا داخل الحلف، بعد أن أشار إلى أنه قد يشجع روسيا على مهاجمة الدول الأعضاء التي لا تلتزم بتعهداتها المالية تجاه الناتو. وقال ترمب إن بعض الدول لا تتحمل نصيبها العادل من الأعباء الدفاعية.
وطالب مسؤولون في إدارة ترمب بزيادة نسبة الإنفاق الدفاعي لدول الناتو إلى 5% من إجمالي الناتج المحلي، وهي نسبة تفوق بكثير هدف الحلف الحالي البالغ 2%، والذي لا تزال عدة دول أوروبية غير ملتزمة به.
تقليص وجودها العسكري
رغم الضغوط الأمريكية المتزايدة، لمّحت واشنطن إلى نيتها تقليص بصمتها العسكرية في القارة الأوروبية، ما يُلقي بمزيد من المسؤوليات على عاتق الدول الأوروبية لتأمين نفسها ذاتيًا. وتُعد هذه الخطوة تحولًا استراتيجيًا كبيرًا قد يُعيد تشكيل هيكل الأمن الأوروبي لعقود قادمة.
أكد الجنرال ووكر في ختام كلمته أن أوروبا استوعبت أخيرًا الرسالة الأمريكية حول ضرورة تحمّل مسؤولية الدفاع. وقال: “وصلتنا الرسالة. تطلّب الأمر أكثر من محاولة، لكننا فهمناها”.
ويبدو أن أوروبا، بعد عقود من الاعتماد على المظلة الدفاعية الأمريكية، بدأت تدرك أن المستقبل الأمني للحلف يعتمد بشكل متزايد على استعدادها الفعلي لمواجهة التحديات، خاصة في ظل التغيرات الجيوسياسية الجذرية بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا.

