خاص – الوئام
في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الأمريكية تدك منشآت إيران النووية، وأصوات الصواريخ تتردد في سماء الشرق الأوسط، كانت بكين تراقب من بعيد، مثقلة بالمصالح، ومكبّلة بالعجز.
لم تكن الصين طرفًا مباشرًا في الحرب، لكنها كانت في قلب المعضلة، حريصة على استقرار مضيق هرمز الذي يمد اقتصادها بالطاقة، ومحرجة من طلبات واشنطن، وغاضبة من التصعيد الأمريكي. وبين الرغبة في لعب دور الوسيط والحرص على عدم الانجرار إلى صدام، وقفت الصين في الظل، لتجد نفسها خارج حسابات القوة، رغم ضخامة مصالحها في الإقليم.
هدنة أمريكية… وتوتر صيني صامت
تقول صحيفة واشنطن بوست إن الأزمة بدأت عندما شنت الولايات المتحدة هجومًا على مواقع نووية إيرانية، قبل أن يعلن الرئيس دونالد ترمب وقفًا لإطلاق النار بين طهران وتل أبيب، ويدعو الطرفين إلى ضبط النفس بعد تسجيل انتهاكات.
لكن في بكين، التي تعتمد على نفط الخليج وتمر نصف وارداتها من الطاقة عبر مضيق هرمز، كان القلق يتصاعد بصمت. وعلى الرغم من محاولات محدودة للوساطة، بدا أن الصين عاجزة عن التأثير المباشر في مجريات التصعيد.
اعتماد متبادل… ومخاوف من إغلاق المضيق
وفقًا لشركة Vortexa لتحليل الطاقة، تستورد الصين نحو 1.5 مليون برميل من النفط الإيراني يوميًا، تمر كلها تقريبًا عبر مضيق هرمز. التهديد الإيراني بإغلاق المضيق أثار قلقًا صينيًا عميقًا، ما دفع بكين إلى تشديد مراقبتها البحرية ومطالبة السفن بتقديم تقارير يومية عن المرور في المنطقة.
في المقابل، لا تملك الصين وسائل عسكرية فعالة لحماية مصالحها في الخليج، ما يجعلها رهينة للتطورات من دون أدوات نفوذ حقيقية.
دبلوماسية مترددة وخطاب غاضب
رغم اللقاءات بين مساعد وزير الخارجية الصيني والسفير الإيراني الجديد في بكين، لم تُسجَّل تحركات فعالة. وحتى دعوة الولايات المتحدة للصين للضغط على طهران قوبلت بالبرود.
ردود الصين جاءت لاذعة؛ فقد وصف أحد الباحثين في مركز دراسات صيني الضربات الأمريكية بأنها “بلطجة واضحة”، معتبرًا طلب واشنطن من بكين التدخل بأنه “تناقض فجّ” بين الفعل والخطاب.
دور رمزي ومساعدات محدودة
اقتصر بعض التحركات الصينية على الجانب الإنساني، مع إعلان إرسال مساعدات إغاثية إلى طهران. في الوقت ذاته، قامت السلطات بإجلاء أكثر من 3,000 مواطن صيني من إيران و500 من إسرائيل.
لكن ما بدا جليًا هو أن الصين فضّلت حماية مواطنيها ومصالحها التجارية، بدل الانخراط في أي مغامرة دبلوماسية محفوفة بالمخاطر في منطقة مضطربة.
خيارات بديلة غير كافية للطاقة
رغم سعي الصين إلى تنويع مصادر الطاقة من روسيا أو عبر ميناء جوادر الباكستاني، فإن هذه البدائل لا تزال غير قادرة على تعويض المضيق. فالبنية التحتية في جوادر غير مكتملة، ومحدودية سعتها التخزينية تجعل الاعتماد عليه مستحيلًا في الوقت الراهن.
يعني ذلك أن أمن الطاقة الصيني لا يزال مرتبطًا ارتباطًا عضويًا باستقرار الخليج، رغم كل استثماراتها في “مبادرة الحزام والطريق”.
انعكاسات الأزمة على سياسة الصين في تايوان
حرّاك ترمب العسكري المفاجئ تجاه إيران أثار مخاوف صينية من احتمالية تدخل مشابه في ملف تايوان.
ويرى خبراء صينيون أن رغبة واشنطن في استخدام القوة قد تنسحب على أماكن أخرى، ما يزيد من توتر العلاقات في بحر الصين الجنوبي، ويعقّد حسابات بكين في حال قررت استعادة الجزيرة بالقوة.
الصين قوة اقتصادية بلا أسنان سياسية
في ختام المشهد، يرى مراقبون أن انغماس أمريكا في أزمات الشرق الأوسط يعزز صورة الصين كقوة عاقلة، تعتمد على التفاوض لا القصف.
لكن في المقابل، تكشف الأزمة حدود النفوذ الصيني الفعلي في الشرق الأوسط.
فبينما تحتفل واشنطن بدورها كوسيط قسري، تبدو بكين عاجزة عن التأثير، ومجبرة على الاكتفاء بدور المراقب في صراع قد يتكرّر على أبوابها في تايوان.

