خاص – الوئام
بينما تنشغل العواصم الكبرى بالتوازنات الجيوسياسية في بحر الصين الجنوبي وتايوان، يتصاعد بهدوء توتر خطير في البحر الأصفر، بين الصين وكوريا الجنوبية.
هذا الممر البحري الضيق، الذي كان يُنظر إليه تاريخيًا كمجرد مسرح لحوادث الصيد وتجاوزات صغيرة، بات اليوم نقطة اشتعال جديدة في صراع النفوذ الإقليمي بين بكين وحلفاء واشنطن، وخصوصًا في ظل التوسع الصيني الممنهج داخل المياه المتنازع عليها.
حادثة السفينة الكورية
في فبراير الماضي، اقتربت سفينة أبحاث كورية جنوبية من منشآت غامضة نصبتها الصين في عرض البحر الأصفر، على بُعد نحو 230 ميلًا من الساحل الكوري. لم تكد تقترب حتى اعترضتها سفينتان تابعتان لخفر السواحل الصيني وثلاثة قوارب صغيرة، كان على متنها رجال مسلحون بالسكاكين، أجبروا الكوريين على التراجع.
بعد ساعتين من المواجهة، انسحبت السفينة الكورية دون أن تتمكن من جمع معلومات عن المنشآت التي تبين أنها عبارة عن قفص استزراع مائي ضخم بجانب منصة نفطية متعددة الطوابق، مزودة بقوارب نجاة ومهبط مروحيات.
الهيمنة الصينية البحرية
تشير صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إلى أن الحادثة لم تكن معزولة، بل تأتي في سياق سلسلة من التصرفات الاستفزازية التي تنفذها الصين في البحر الأصفر، شملت خروقات متكررة للمياه والأجواء الكورية، وزرع ما لا يقل عن 13 عوامة بحرية منذ عام 2018، يعتقد بعض الخبراء أنها تُستخدم لأغراض استخباراتية، رغم ادعاء بكين بأنها مخصصة لمراقبة الطقس.
وتكشف خريطة النزاع البحري أن المنطقة الرمادية في البحر الأصفر، المعروفة باسم “منطقة الإجراءات المؤقتة”، تشهد تداخلًا بين المناطق الاقتصادية الخالصة لكل من الصين وكوريا الجنوبية، ما يجعلها ساحة توتر دائم.
البحر الأصفر في قلب الصراع
يمثل البحر الأصفر الآن مركزًا جديدًا في حملة التمدد البحري الصيني، خاصة في ظل تصاعد التوتر في بحر الصين الجنوبي وتكثيف الطلعات الجوية الصينية حول تايوان. وتكمن خطورة البحر الأصفر في كونه مسارًا استراتيجيًا مهمًا لأي مواجهة مستقبلية بين الولايات المتحدة والصين بشأن تايوان، إذ تعتمد بكين عليه لنقل القوات والصواريخ البحرية.
كما تقع أكبر قاعدة عسكرية أمريكية خارج البلاد، والتي تضم 28,500 جندي، على بعد 10 أميال فقط من هذا البحر داخل كوريا الجنوبية، بينما تتمركز آلاف القوات الأمريكية الأخرى في اليابان، على بعد نحو 500 ميل.
عسكرة المنطقة
في مايو الماضي، أعلنت بكين بشكل مفاجئ عن “منطقة حظر إبحار” في قلب البحر الأصفر، ثم نفذت تدريبات بحرية غير مسبوقة بمشاركة حاملة الطائرات الصينية المتطورة “فوجيان”. وردًا على ذلك، نشرت كوريا الجنوبية قواتها البحرية لمراقبة الأنشطة وجمع المعلومات.
المنصة النفطية التي شهدت حادثة فبراير، تُثير قلقًا في سيول. تحليل من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) أشار إلى احتمال استخدامها لأغراض عسكرية، في إطار ما سماه “فرض السيطرة التدريجية”.
أهداف بكين تتجاوز البحث العلمي
رغم التصريحات الصينية المتكررة بأن المنشآت والعوامات البحرية مخصصة لأغراض بحثية، يرى مسؤولون كوريون ومحللون أن بكين تستخدم هذه الذرائع لبسط نفوذها البحري.
النائب الكوري يو يونج وون صرح بأن كثافة توزيع العوامات توحي بنية صينية لبسط سيطرة فعلية على المنطقة، وليس فقط جمع بيانات مناخية.
ويستذكر المحللون ما فعلته الصين سابقًا في بحر الصين الجنوبي، عندما حولت شعابًا مرجانية إلى جزر صناعية مزودة بمدارج للطائرات وأنظمة رادار، في خطوة لتكريس مطالبها الإقليمية.
حوار رسمي وصمت صيني
عقد مسؤولون صينيون وكوريون جنوبيون اجتماعًا ثنائيًا مؤخرًا، ذكرت فيه وزارة الخارجية الكورية الجنوبية أن الوضع في البحر الأصفر طُرح على الطاولة. لكن بكين لم تذكر أي شيء عن البحر الأصفر في بيانها الرسمي، مما يعكس استراتيجية إنكار متكررة في تعاملها مع هذا الملف.
وبينما تسعى سيول لحلول دبلوماسية، يبدو أن بكين تواصل فرض أمر واقع بحري في المنطقة، وسط صمت دولي نسبي، ومخاوف متزايدة من أن يتحول البحر الأصفر إلى “جنوب الصين الجديد”.
معركة النفوذ الإقليمي
ما يجري في البحر الأصفر ليس مجرد نزاع محلي بين الصين وكوريا الجنوبية، بل هو امتداد لمعركة النفوذ الإقليمي بين واشنطن وبكين، حيث تسعى الأخيرة لتحصين خطوطها البحرية وتقييد حرية الحركة الأمريكية، استعدادًا لأي صراع محتمل في تايوان.
وبينما تبدو سيول محاصرة بين تصعيد جارها العملاق وضبابية موقف حلفائها، تزداد الحاجة إلى موقف دولي حازم قبل أن يتحول البحر الأصفر إلى نقطة اشتعال جديدة في شرق آسيا.

