الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
لدى المملكة العربية السعودية رؤية استراتيجية واضحة لا تحيد عنها مهما بلغت درجة وحدة المشاكل الدولية والإقليمية، وهي ضرورة وقف إطلاق النار الفوري والدائم في قطاع غزة، وأن تكون تلك الخطوة السياسية والعسكرية الهامة هي البداية لإعلان إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على كل الأراضي المحتلة منذ شهر يونيو من عام 1967، وأن تكون القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية الجديدة.
تكرر السعودية هذا الإعلان المصيري وقت اجتماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء نتنياهو الذي يتواجد في العاصمة واشنطن هذه الأيام.
يحاول بنيامين نتنياهو أن يضغط على الرئيس ترامب بشتى الوسائل. أحد أساليب نتنياهو الملتوية هو اشتراط أن يتم وقف إطلاق النار في غزة بناءً على طلب إسرائيل بأن تقوم إدارة ترامب بوضع خطة لتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.
هذا ما ترفضه المملكة تمامًا ولن تحيد عنه تحت أي من الشروط أو الظروف.
وتحاول أيضًا بعض وسائل الإعلام الغربية تصوير أن هناك تطبيعًا غير رسمي بين السعودية وإسرائيل.
هذا أمر غير صحيح. لا توجد علاقات دبلوماسية رسمية بين السعودية وإسرائيل لأن السياسة الخارجية للمملكة صريحة وعلنية ولا تساوم على المبادئ، ولا تخفي على مواطنيها أي شيء. لم تعترف السعودية بإسرائيل ولم تقم علاقات رسمية معها منذ إعلان نشأتها عام 1948.
لا تقبل المملكة جوازات السفر الإسرائيلية. السعودية تطالب بحقوق الفلسطينيين أولًا، معتبرة أن القضية الفلسطينية هي قضية مركزية، وتقول بأن حل الدولتين للصراع العربي الإسرائيلي هو ما يجب على المجتمع الدولي العمل به لإقامة سلام دائم وعادل في منطقة الشرق الأوسط.
الخطأ الفادح في إعلام الغرب فيما يتعلق بدور السعودية في تحقيق السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط هو تصوير هذا الجهد المخلص على أنه محاولة من المملكة لمد نفوذها. هذا أمر غير صحيح البتة، لأن المملكة العربية السعودية قامت بتضحيات كبيرة من أجل أن يستعيد الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة كاملة.
كما كان غرض السعودية دائمًا هو دعم التضامن العربي والإسلامي من أجل توحيد كلمة العرب والمسلمين تجاه الشعب الفلسطيني.
وعندما قامت إسرائيل بأي عدوان على أي من الدول العربية، وقفت السعودية في صف تلك الدولة التي تم الاعتداء عليها. وعلى سبيل المثال، في شهر أكتوبر من عام 1956، هاجمت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مصر لأنها قامت بتأميم قناة السويس. وعلى الفور، صرح الملك (الأمير) وقتذاك فيصل لجريدة البلاد:
“لقد عاش آبائي وأجدادي لعشرات السنين يركبون الجمال والخيل ويأكلون التمر، وفي سبيل العروبة فنحن مستعدون للتضحية بكلّ شيء، حتى لو أدّى ذلك إلى العودة للصحراء على الخيل والجمال، فالعزة والشرف مع الجوع خير من الرفاهية مع الذل.”
ويجب أن يتذكر الجميع أن السعودية هي من أطلقت مبادرة السلام العربية في عام 2002، والتي كانت تشترط أن يتم تطبيع العلاقات مع إسرائيل من قبل بعض الدول العربية مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة وإقامة دولة فلسطينية.
ولم تتخلَّ المملكة العربية السعودية لحظة واحدة عن حماية المقدسات الإسلامية في القدس الشريف وفي فلسطين.
بالإضافة إلى ذلك، في عام 2009، عارضت السعودية مجزرة غزة ودعا الملك عبد الله إسرائيل إلى وقف هجومها على الفلسطينيين، ومنح مليار دولار لإعادة إعمار قطاع غزة، كما أطلق جلالته حملة تبرعات شعبية عاجلة لدعم شعب غزة.
وفي شهر مايو من نفس العام، وخلال سلسلة من الاجتماعات في واشنطن التي تناولت موضوع الخلافات بين إسرائيل وأمريكا حول بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي العربية، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إرغام الرئيس الأمريكي باراك أوباما ومعاونيه على الاهتمام بموضوع إنهاء عزلة إسرائيل في المنطقة العربية.
وبعد مرور أسابيع على زيارة نتنياهو، استضاف الرئيس الأمريكي أوباما جلالة الملك عبد الله وحاول الاستفسار منه عما إذا كان ينوي الاجتماع بشكل رسمي مع نتنياهو. كان رد الملك عبد الله حازمًا وقاطعًا: “مستحيل”.
هناك شهود عيان لهذا الموقف البطولي من الملك عبد الله، ويضيف بعضهم أن جلالته ذكر لأوباما أن تجميد المستوطنات ليس كافيًا، وأن السلام يعني اتفاقًا يضمن عدم اعتداء إسرائيل على الفلسطينيين.
وقت هذا الاجتماع، قال الملك عبد الله مخاطبًا الرئيس الأمريكي باراك أوباما: “سنكون آخر من يصنع السلام معهم.”
وفي أثناء الدورة الـ41 لمجلس وزراء منظمة التعاون الإسلامي، أكد وزير الخارجية السعودي وقتذاك الأمير سعود الفيصل على ضرورة وقوف الدول الإسلامية صفًا واحدًا وراء الشعب الفلسطيني، منددًا بالعدوان الإسرائيلي على غزة والضفة الغربية.
وهذا ما جعل تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان امتدادًا تاريخيًا لمواقف سعودية نبيلة لوقف تصعيد عدوانها على قطاع غزة.
تصريحات وزير الخارجية السعودي الأخيرة تأتي في إطار الدعوة السعودية الرسمية لوقف إطلاق النار في غزة وتفعيل المبادرة السعودية-الفرنسية بعقد مؤتمر دولي حول القضية الفلسطينية يتم فيه تحديد الإطار القانوني والشرعي لإقامة الدولة الفلسطينية.
بالطبع سوف يراوغ نتنياهو حتى لا يقبل الرئيس ترامب بهذا المقترح الهام. لكن نتنياهو لا يستطيع مقاومة حركة التاريخ. والرئيس ترامب راغب شخصيًا في إنهاء الحرب في غزة.
فهو يبحث عن فرصة نجاح في السياسة الخارجية لأن ما قام به من مبادرات قد تعثرت، سواء كان هذا بين روسيا وأوكرانيا، أو تجاه الصين وتايوان، أو إيران، أو فيما يتعلق بلبنان. ترامب قال في المملكة العربية السعودية إنه لا استخدام للقوة العسكرية من قبل بلاده مرة أخرى في الشرق الأوسط.
لكن نتنياهو يريد أن تبارك إدارة ترامب حربه في غزة واحتلاله لأراضٍ في سوريا ولبنان. قد تحدث خلافات أمريكية-إسرائيلية عميقة حول قضية وقف إطلاق النار في غزة. ترامب يدرك جيدًا أن إسرائيل ليست قوة مهيمنة، وأن السعودية هي قوة إقليمية ودولية. المطلوب من الرئيس دونالد ترامب أن يرغم نتنياهو على قبول وقف إطلاق النار في غزة فورًا.
عندها سيعرف العالم مدى قوة نفوذ السعودية في مسار العلاقات الدولية، لأن السعودية هي ما ربط بين إنهاء العدوان الإسرائيلي على غزة والإعداد فورًا لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.

