في مشهد غير مسبوق منذ أكثر من عقد، تحتضن العاصمة السورية دمشق “منتدى الاستثمار السعودي السوري”، الذي يمثل نقطة تحول مفصلية في العلاقات بين البلدين.
ويأتي هذا المنتدى ليؤكد جدية الرياض في دعم سوريا اقتصاديًا بعد التغيير السياسي الكبير الذي شهدته البلاد، حيث تُوِّجت هذه الديناميكية الجديدة بإعلان متوقع عن صفقات استثمارية سعودية تتجاوز قيمتها 4 مليارات دولار.
وفد سعودي رفيع المستوى في دمشق
شهدت العاصمة دمشق وصول وفد سعودي رفيع المستوى يضم مسؤولين حكوميين ورجال أعمال بارزين، يتقدمهم وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح.
ووفقًا لقناة الإخبارية السعودية، يشارك في المنتدى أكثر من 120 مستثمرًا من المملكة يمثلون قطاعات متعددة، في رسالة واضحة عن رغبة سعودية في شراكة اقتصادية طويلة الأمد مع سوريا.
مليارات الدولارات في اتفاقيات مشتركة
توقعت وسائل الإعلام السعودية توقيع عشرات الاتفاقيات والمذكرات والمشاريع المشتركة خلال المنتدى، بقيمة إجمالية تتجاوز 15 مليار ريال سعودي (أي ما يعادل 4 مليارات دولار).
وتشمل هذه الصفقات قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والنقل، ما يعكس انفتاحاً واسعاً من الطرفين على آفاق تعاون جديدة.
افتتاح مصنع أسمنت في ريف دمشق
ضمن فعاليات المنتدى، أشرف الوفد السعودي على افتتاح مصنع أسمنت جديد في مدينة عدرا الصناعية بريف دمشق، في أول مشروع صناعي سعودي يُنفذ على الأرض السورية منذ أكثر من 12 عامًا. ويعد هذا المشروع رمزًا لإعادة إحياء الصناعات الثقيلة ضمن جهود إعادة الإعمار التي تنتظر دعمًا خارجيًا واسع النطاق.
كان في استقبال الوفد السعودي عدد من المسؤولين السوريين البارزين في مطار دمشق الدولي، من بينهم وزير الاقتصاد محمد نضال الشعار، ووزير الطاقة عبد السلام هيكل، ووزير الاتصالات والتقنية عبد السلام هيكَل، بالإضافة إلى السفير السعودي في دمشق، فيصل بن سعود المجفل، ما يعكس البعد الرسمي والدبلوماسي العميق لهذه الزيارة.
السعودية تطرح تسهيلات للسوريين قبل المنتدى
جاءت زيارة الوفد السعودي بعد يوم واحد فقط من إعلان المملكة عن إصدار تصاريح سفر للمستثمرين ورجال الأعمال السوريين، لتسهيل زياراتهم إلى المملكة.

وتُظهر هذه الخطوة رغبة سعودية واضحة في فتح قنوات التعاون الاقتصادي دون تأخير، وإزالة الحواجز البيروقراطية بين القطاعين الخاصين في البلدين.
الدمار الاقتصادي بعد الحرب
تُقدّر الأمم المتحدة خسائر الاقتصاد السوري نتيجة الحرب بما يفوق 800 مليار دولار. ورغم الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر الماضي، لا يزال التعافي الاقتصادي بطيئًا، إذ يتوقع البنك الدولي نمو الناتج المحلي بنسبة 1% فقط في عام 2025، بعد انكماش بنسبة 1.5% في العام السابق.
وفي فبراير، أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع زيارة رسمية إلى الرياض، التقى خلالها بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في إطار جهود إعادة بناء العلاقات السياسية والاقتصادية.
منذ تولي الحكومة السورية الجديدة السلطة في مارس، استطاعت إقناع عدد من الدول الغربية برفع العقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهلها منذ سبعينيات القرن الماضي. ويُعَد هذا الانفتاح الدولي بمثابة شريان حياة اقتصادي، ويمنح المستثمرين إشارة واضحة لبدء التدفق نحو الأسواق السورية.
سوريا تفتح الأبواب والسعودية تدخل بثقة
منتدى الاستثمار السعودي السوري لا يمثل فقط محطة اقتصادية، بل هو مؤشر عميق على تحوّل استراتيجي في السياسة السعودية تجاه سوريا.
فالاستثمارات الضخمة، والتفاهمات الجديدة، والمشاريع المشتركة كلها تؤكد أن الرياض ماضية في بناء علاقات متينة مع سوريا ما بعد الأسد، مدفوعة برؤية إقليمية تسعى إلى الاستقرار، وتوازن النفوذ، وتحقيق النمو المستدام للمنطقة بأسرها.

