لملايين حول العالم، لم تكن قاعة محكمة بلدية بروفيدنس في ولاية رود آيلاند الأمريكية مكانًا للقانون الصارم بقدر ما كانت مسرحًا للإنسانية والتعاطف.
هناك، خلف المنصة، جلس القاضي فرانك كابريو، الرجل الذي لم يشتهر بأحكامه، بل بلحظات الرحمة التي جعلت من مقاطعه المصورة ظاهرة عالمية ومنحته لقب “ألطف قاضٍ في العالم”. كان يستمع لقصص أصحاب مخالفات المرور، يشاركهم همومهم، ثم يصدر أحكامًا مبنية على ظروفهم الإنسانية، محولًا القانون إلى أداة للشفقة لا للعقاب.

اليوم، سقطت مطرقة “ألطف قاضٍ في العالم” للمرة الأخيرة. فقد أعلنت عائلته وفاة القاضي فرانك كابريو بسلام عن عمر يناهز 88 عامًا، بعد معركة طويلة مع سرطان البنكرياس. وجاء رحيله بعد يوم واحد فقط من طلبه الأخير، الذي وجهه لمتابعيه من سريره في المستشفى، قائلًا: “لقد تعرضت لانتكاسة، وأنا أعود إليكم مرة أخرى طالبًا أن تذكروني في صلواتكم”.
لكن لفهم مصدر هذه الرحمة غير العادية، يجب العودة إلى بداياته المتواضعة في حي “فيدرال هيل” بمدينة بروفيدنس.
كابريو، الابن الثاني من بين ثلاثة أبناء، لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب. ففي صغره، عمل كماسح أحذية، وموزع صحف، وعامل في شاحنة حليب، متبعًا مثال والديه في “العمل الجاد لتحسين حياة من حوله”، كما يذكر موقعه الرسمي.
هذا الكفاح المبكر هو الذي صقل تعاطفه العميق مع كادحي الحياة اليومية.
وبينما كان يعمل مدرسًا لمادة الحكومة الأمريكية في مدرسة “هوب الثانوية” نهارًا، كان يحضر دروسًا ليلية في كلية الحقوق بجامعة سوفولك في بوسطن.

لكن المقياس الحقيقي لشخصيته لم يكن ما فعله على منصة القضاء، بل ما فعله لمساعدة الآخرين على الوصول إليها.
فبعد نجاحه، لم ينس أبدًا جذوره؛ حيث أسس “صندوق أنطونيو توب كابريو للمنح الدراسية” في جامعته، والذي سُمي على اسم والده، لمساعدة طلاب رود آيلاند الملتزمين بتحسين الوصول إلى الخدمات القانونية في الأحياء المحرومة.
وقبل رحيله، وبعد مسيرة امتدت لما يقرب من 40 عامًا على المنصة، نال برنامجه التلفزيوني “Caught in Providence” ترشيحًا لجائزة إيمي، وكرمته مدينة بروفيدنس بتسمية قاعة المحكمة البلدية باسمه.
وفي بيان نعيه، لخصت عائلته رسالة حياته بأكملها قائلة: “تكريمًا له، نرجو أن يسعى كل منا لجلب المزيد من الرحمة إلى العالم – تمامًا كما فعل هو كل يوم”. إنها النهاية التي تليق بقصة رجل بدأ كماسح أحذية، وأنهى حياته كرمز عالمي للإنسانية.

