كتب: فهيم حامد الحامد محلل استراتيجي
أضحت الزيارة المرتقبة للرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى الصين للمشاركة في العرض العسكري الضخم في 3 سبتمبر، بمناسبة الذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية واستسلام اليابان، محطة استراتيجية بالغة الدلالة على الصعيدين السياسي والدبلوماسي والعسكري. فهي أول زيارة له إلى بكين منذ أكثر من ست سنوات، كما أنها تمثل أول مشاركة له في حدث متعدد الأطراف منذ توليه الحكم عام 2011. فيما تعد آخر مشاركة لزعيم كوري شمالي في عرض عسكري بالصين تعود إلى عام 1959.
“تنامي النفوذ الشرقي”
وتعكس الزيارة التاريخية المرتقبة ثقة الزعيم الكوري الشمالي المتزايدة ببكين، مدعومة بتحالفه المتنامي مع روسيا وترسانته النووية المتصاعدة، خصوصًا أن الرئيس بوتين سيشارك أيضًا في العرض العسكري الذي سيقام في ساحة تيان مين التاريخية. مما يجعل ظهور هذا “الثلاثي” رسالة قوية للغرب في ظل عدم مشاركة قادته في العرض العسكري. وهو ما يعزز فكرة انقسام العالم إلى تكتلات متنافسة وعودة أجواء الحرب الباردة بصيغة جديدة، تقوم على استعراض النفوذ لا بالتحالفات العسكرية فقط، بل من خلال الدبلوماسية الرمزية والاستعراضات العسكرية الضخمة المدججة بالسلاح الصاروخي الحديث.
“إعادة التواصل بين بكين وبيونغ يانغ”
ومن المؤكد أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يرى في مشاركة الرئيس كيم في الاستعراض العسكري فرصة لإعادة التواصل معه بعد فترة طويلة من الفتور في العلاقات. وسيبدي حتمًا حفاوة أكثر من المعتاد تجاه الرئيس كيم لتحقيق هذا الهدف، ما قد يضع الزعيم الكوري في موقع زعيم تتنافس على كسب ودّه قوتان شرقيتان، وإعادة التموضع ضد القوى الغربية.
“توظيف التاريخ لتبرير الحاضر”
ويأتي إعلان بيونغ يانغ مشاركة كيم بعد أيام فقط من إبداء ترمب رغبته في لقاء الزعيم الكوري الشمالي، الذي يوظف الذاكرة التاريخية السياسية لأهداف معاصرة. خصوصًا أن الاحتفال بذكرى انتصار الحلفاء يعيد توظيف التاريخ لتبرير الحاضر، وهو تكتيك شائع في السياسات الدولية. ولهذا فإن بكين وموسكو تستحضران النصر القديم لتبرير شرعية النظام الدولي البديل الذي تسعيان إلى ترسيخه. وزيارة الرئيس كيم إلى الصين ليست مجرد مشاركة في احتفالات رمزية، بل تعكس تحالفًا استراتيجيًا يزداد عمقًا في وجه عالم يشهد إعادة تشكيل في خرائط النفوذ، وأن النظام العالمي أحادي القطب يواجه تحديًا جادًا من محور الشرق.
“تعزيز التحالفات الاستراتيجية الشرقية”
ويحمل هذا الحضور رسائل متعددة؛ أهمها تعزيز التحالفات الاستراتيجية مع الصين وروسيا، وإعادة التموضع الدبلوماسي لكوريا الشمالية في مواجهة الضغوط الغربية والعقوبات الدولية. كما أن المشاركة تأتي في سياق إقليمي ودولي يتسم بتصاعد التوترات بين المعسكرين الشرقي والغربي، ما يجعل من هذا الحدث العسكري منصة لاستعراض التكتل الثلاثي (بكين – بيونغ يانغ – موسكو) الذي يجسد رفضًا للانفراد الأميركي بالنظام العالمي.
وبرز الرئيس كيم كأحد أهم حلفاء بوتين في حربه على أوكرانيا، وساهم في تعزيز الوجود الميداني الروسي من خلال إرسال قوات في تحالف أثار قلقًا متزايدًا في المنطقة من قدرة كوريا الشمالية على تعزيز قدراتها العسكرية وضمان بقاء نظامها بدعم من موسكو.
“اصطفاف عسكري استراتيجي”
وتحمل زيارة زعيم كوريا الشمالية دلالات عميقة على المستويين الإقليمي والدولي، ويمكن تحليل مغزاها في عدد من المحاور التي تتضمن استعراض محور مناهض للغرب، حيث يجتمع بوتين وكيم في بكين إلى جانب الرئيس الصيني شي جين بينغ. وهذا يمثل اصطفافًا رمزيًا لدول تتحدى النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
“مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية”
وهذه الصورة الجماعية ستعكس محاولة لتشكيل جبهة موحدة مضادة للضغوط الغربية، في ظل العقوبات المفروضة على روسيا وكوريا الشمالية، والتوترات الجيوسياسية مع الصين، إلى جانب التحوّل في ميزان القوى العالمي.
ويأتي اللقاء التاريخي في لحظة فارقة من التحولات الدولية، حيث تشهد العلاقات بين روسيا والصين تقاربًا غير مسبوق مدفوعًا بتحديات مشتركة، منها التوتر مع الغرب، والحرب في أوكرانيا، والعقوبات الاقتصادية. ومشاركة كوريا الشمالية تضيف بعدًا استراتيجيًا أكثر حدة، خاصة في ظل تصاعد أنشطتها العسكرية النووية.
“كوريا الشمالية ليست معزولة”
كما ترسل الصين في ذات الوقت رسالة دعم وتحالف متنامٍ بأنها ليست في عزلة سياسية، بل تجمع حولها حلفاء استراتيجيين من الشرق يمكنهم تشكيل توازن ردع أمام واشنطن وحلفائها. كما تمثل المشاركة دعمًا دبلوماسيًا لبوتين وكيم، وتأكيدًا على عمق العلاقات العسكرية والسياسية الثلاثية. والمشاركة الكورية الشمالية في احتفالات النصر تأكيد على تحالف استراتيجي آخذ في التوسع في مواجهة النفوذ الأميركي والغربي المتزايد في آسيا وأوروبا.
الصين من جانبها تستعرض علاقاتها القوية مع روسيا وكوريا الشمالية، في وقت تتصاعد فيه التوترات مع الولايات المتحدة في قضايا عدة، منها تايوان والتجارة. والرسالة الأبرز من هذه المشاركة هي أن هناك محورًا عالميًا جديدًا يتشكل في الشرق، يسعى لخلق توازن مع الغرب ويعيد رسم خريطة العلاقات الدولية.
“احتفال بالنصر على الغرب”
ويحمل تموضع كيم جونغ أون إلى جانب كل من الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي بوتين، في مناسبة رمزية مثل احتفالات النصر في بكين، دلالات سياسية واستراتيجية عميقة تشير إلى تبلور “ثلاثي شرقي” يضم بكين وموسكو وبيونغ يانغ، في مواجهة واضحة لمركزية الغرب في النظام الدولي.
“تنامي نفوذ بيونغ يانغ”
وظهور كيم إلى جانب زعيمين من القوى النووية الكبرى في العالم يعزز شرعيته أمام الشعب الكوري الشمالي بصفته جزءًا من تحالف دولي قوي. وإقليميًا يستعرض نفوذ بيونغ يانغ المتنامي في توازنات شرق آسيا. ودوليًا يؤكد خروج كوريا الشمالية من عزلتها ويضعها ضمن مشهد القوى المتحدية للغرب.
“توحد ضد الغرب”
إذن، التحالف هو تحالف الضرورة لا الخيار، حيث يجمع هذا “الثلاثي” بين دول تختلف في النظام السياسي، لكن توحدها عدة عوامل، من ضمنها العداء أو التوتر مع الغرب والعقوبات الغربية والرغبة، بل والنزعة، في إعادة تشكيل النظام العالمي. وأخيرًا تحدٍ مباشر لهيمنة واشنطن.
“شرق جديد يتعزز”
ما يُبنى بين بكين وموسكو وبيونغ يانغ ليس مجرد تعاون عابر، بل محور يعيد تعريف العلاقات الدولية، يتحدى الهيمنة الغربية، ويمتلك أدوات الردع، سواء عبر الاقتصاد (الصين)، أو الطاقة (روسيا)، أو السلاح النووي والاستفزاز (كوريا الشمالية).
وكخلاصة، فإن زيارة كيم جونغ أون تعكس تحالفًا استراتيجيًا يزداد عمقًا في وجه عالم يشهد إعادة تشكيل في خرائط النفوذ، ورسالة واضحة بأن النظام العالمي أحادي القطب يواجه تحديًا جادًا من محور الشرق.

