يُعد ابتكار مواد لاصقة قادرة على العمل تحت الماء أحد أصعب التحديات في علوم المواد، إذ تفقد المواد التقليدية قدرتها على الالتصاق عند الرطوبة، بينما تعاني المواد الهلامية المائية (Hydrogels) المتقدمة من صعوبة الالتصاق بالأسطح الرطبة أو غير المستوية.
لكن فريق بحثي ياباني–صيني مشترك حقق تقدماً كبيراً باستخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم مادة هلامية مائية قادرة على الالتصاق بفاعلية غير مسبوقة تحت الماء، مستوحاة من البرنقيل، الكائن البحري الذي يلتصق بالسفن والصخور بقوة مذهلة حتى في أصعب الظروف البحرية.
اعتمد الباحثون من معهد طوكيو للتكنولوجيا وجامعة جنوب الصين للتكنولوجيا على التعلم العميق لاختبار أكثر من ألف تركيبة للهلام المائي، بهدف تحديد البنى الجزيئية التي تحقق توازنًا مثاليًا بين الالتصاق القوي، المرونة والمتانة. هذه الطريقة قلّصت الوقت المستغرق من سنوات إلى أيام، وساعدت في اختيار أفضل التركيبة بسرعة ودقة.
التركيبة الفائزة تحتوي على مكونات موجبة وسالبة الشحنة، تمكنها من إنشاء روابط كهربائية قوية مع الأسطح الرطبة، مما يزيد الالتصاق ويجعل المادة مقاومة للتدهور عند التعرض المتكرر للجفاف وإعادة البلل.
المادة تحاكي إفرازات البرنقيل عبر تشكيل روابط متشابكة بين سلاسل البوليمرات، فتتمكن من الالتصاق حتى في المياه المالحة أو البيئات المضطربة، مع الحفاظ على قوتها بعد الاستخدام المتكرر.
تفتح هذه المادة الهلامية آفاقًا جديدة في المجالات الطبية والصناعية والمدنية. يمكن استخدامها لتطوير لاصقات جراحية فعالة في بيئات غنية بالسوائل، مثل القلب أو الجهاز الهضمي، وإصلاح السفن والمنشآت البحرية دون إيقاف تشغيلها، أو سد الشقوق في السدود والأنفاق وأنابيب المياه.
كما يمكن تصنيع أجهزة طبية قابلة للارتداء تلتصق بالبشرة الرطبة لفترات طويلة.
ما يميز هذا الإنجاز ليس المادة نفسها، بل طريقة اكتشافها باستخدام الذكاء الاصطناعي كـ«شريك تصميم»، ما يقلل الهدر ويُسرع الابتكار. ويعكس هذا الاتجاه أهمية الذكاء الاصطناعي في تطوير بطاريات الجيل الجديد، المحفزات، البوليمرات، وغيرها من الصناعات التي تحتاج حلولاً أسرع وأكثر كفاءة.
رغم النتائج الواعدة، لا تزال المادة في مراحلها المبكرة. فالتصنيع على نطاق واسع، الاستقرار طويل الأمد، الجدوى الاقتصادية، والاختبارات السريرية للتطبيقات الطبية، كلها مسائل بحاجة للمزيد من البحث. كما تواجه الاستخدامات البحرية تحديات بيئية مثل مقاومة البكتيريا والضغط العالي في أعماق المحيط، قبل أن تتحول هذه المادة من نجاح مخبري إلى منتج عملي.

