بندر بن عبدالله بن محمد
تمهيد في مكانة قريش
الله سبحانه وتعالى خلق البشر جميعاً، وجعل لهم شعوباً وقبائل يتعارفون بها. ومن بين هذه القبائل اختار قريش لتستوطن مكة المكرمة، حيث البيت الحرام الذي رفع قواعده إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام. وقد شاء الله أن يجعل مكة مركزاً للعبادة والتوحيد، وأن يحيطها برعاية خاصة منذ القدم، حتى وإن خالطت العرب بعض مظاهر الشرك.
قريش لم تكن قبيلة عادية؛ فقد ارتبط اسمها بالبيت العتيق، وكانت وحدها المسؤولة عن خدمته: من السقاية وهي تقديم الماء للحجيج، والرفادة وهي إطعامهم، إلى ترتيب الوفود القادمة وتنظيم شؤون الموسم. كان هذا العمل يعطيهم مكانة معنوية عالية عند العرب، إذ رأوا في قريش أهل الحرم وخدام البيت. ومن هنا ارتبط اسم قريش في قلوب العرب قبل أن يرتبط في القرآن.
الإيلاف والتجارة
ولم يقتصر أمر قريش على خدمة الحرم، بل امتد نفوذها إلى التجارة. فقد عقدت اتفاقيات مع القبائل المحيطة لتأمين قوافلها، عُرفت بـ الإيلاف، وهي معاهدات سلام وضمان مرور بين قريش وسائر القبائل، مما جعل تجارتها آمنة تزدهر من الشام شمالاً إلى اليمن جنوباً. وكان لهذا الازدهار أثر عظيم في تقوية قريش، إذ جعلها أكثر ثراءً وأكثر اتصالاً بالشعوب الأخرى كالروم والفرس والحبشة، وهو ما فتح أمامها أبواب المعرفة والاطلاع على أحوال الأمم.
قال الله تعالى في شأن قريش: ﴿لِإِيلَٰفِ قُرَيْشٍ * إِيلَٰفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا۟ رَبَّ هَٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٖ﴾ [قريش: ١-٤]. هذه السورة القصيرة تحمل معاني عظيمة: إذ بيّنت أن النعمة التي تظلل قريش من رزق وأمن، إنما هي من رب البيت، وأن المطلوب منهم أن يقابلوا هذه النعمة بالعبادة والشكر.
أخلاق قريش وصفاتهم
لم تكن قريش مجرد قبيلة ذات قوة اقتصادية، بل كانت أيضاً ذات مكانة أخلاقية واجتماعية. فقد عُرف رجالها بالفصاحة والبلاغة، وكانت أسواقهم كـ عكاظ والمربد ميداناً للخطباء والشعراء، مما صقل ألسنتهم ورفع قدر البيان بينهم. وكانوا أصحاب عقل ورجاحة، يجتمعون في دار الندوة للتشاور في أمورهم، فلا يستبد أحد بقرار دون مشورة القوم.كما أن احترامهم لبعضهم بلغ حداً جعل كل بطن من بطونهم له سيده وزعيمه، ولا يُعرف للرئاسة العامة وجهٌ إلا بالتوافق، مما جعل قريشاً مثالاً للترابط مع وجود التعدد، وهي سمة فريدة مهدت لقيام دولة تُبنى على الشورى والعدل.
ومن هذه البيئة برز النبي محمد ﷺ، الذي اشتهر قبل بعثته بالصادق الأمين، وهو لقب لم يُعطَ عبثاً، بل جاء نتيجة معايشة طويلة من قومه لأمانته واستقامته. وحين نزل عليه الوحي، كان هذا الرصيد الأخلاقي سنداً له في مواجهة تكذيب الكافرين.
لماذا من قريش؟
بعث الله نبيه محمداً ﷺ من قريش لأن هذه القبيلة كانت نقطة التقاء عدة عوامل:
1. المكان: فهي حامية البيت الحرام، والرسالة الخاتمة ارتبطت بمكة لتكون مركزاً للعبادة إلى يوم القيامة.
2. المكانة القبلية: قريش كانت محترمة عند العرب كافة، ولذلك فإن ظهور نبي منها كان كفيلاً بأن تُسمَع دعوته ويُلتفت إليها، لا لأنه غريب عنهم بل لأنه من أرفع قبائلهم مكانة.
3. القدرة على الاتصال بالعالم: بفضل رحلاتها التجارية وعلاقاتها الدولية، كانت قريش مؤهلة لحمل رسالة عالمية لا تنحصر في حدود الجزيرة.
4. اللسان العربي المبين: أهل قريش كانوا أفصح العرب، فجاء القرآن بلسانهم ليكون الحجة البالغة على قومٍ كانوا أهل البلاغة والفصاحة.
ومع أن هذه المزايا جعلت اختيار النبي ﷺ من قريش منسجماً مع الحكمة الإلهية، إلا أن قريش نفسها ناهضت دعوته؛ لا لأنها لم تعرف صدقه، بل لأنها رأت في الإسلام تهديداً مباشراً لنفوذ سادتها وأصحاب السلطة فيها. كانوا يدركون أن اتباع النبي يعني أن تسقط امتيازاتهم، فخافوا على مصالحهم الدنيوية، ولذلك قاوموه بعناد وجحود، كما قال الله تعالى: ﴿ وجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمٗا وَعُلُوّٗا… ﴾ [النمل: ١٤]. وقد ظهر ذلك جلياً في موقف الوليد بن المغيرة الذي قال بعد سماعه للقرآن: “إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه”، ثم ما لبث أن غيّر موقفه وقال: “إن هذا إلا سحر يؤثر”، خوفاً من أن يخسر مكانته بين قريش. وكذلك أبو جهل الذي اعترف في نفسه بصدق النبي لكنه قال: “تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، حتى إذا تحاذينا على الركب قالوا: فينا نبي يوحى إليه، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً”. وهكذا كان دافعهم الأكبر هو الخوف من زوال الجاه والسلطة، لا إنكار الحقائق التي عاينوها بأعينهم.
مغزى الاصطفاء الإلهي
اختيار النبي من قريش ليس تفضيلاً للنسب على حساب غيره، وإنما لحكمة إلهية في إعداد بيئة صالحة لنشر الرسالة. فكما اصطفى الله موسى من بيت فرعون ليكون نبياً في مواجهة الطغيان، واصطفى عيسى من بني إسرائيل ليعيدهم إلى التوحيد، فقد اصطفى محمداً من قريش ليبلغ الرسالة للعالمين.
وهكذا يتضح أن النبوة لا تقوم على نسب أو جاه دنيوي، بل على اصطفاء إلهي يهيئ له الله الأسباب: بيئة، ولسان، ومكان، ومقام.
خاتمة
من تدبري في القرآن والسيرة، أرى أن اختيار الله لمحمد ﷺ من قريش دليل على أن الله يختار الأصلح لحمل رسالته. فجمع لنبيه بين أرفع الأخلاق وأصدق السيرة، وبين قوم لهم مكانة عظيمة ولسان فصيح وتجربة واسعة، وبين بلد آمن هو قلب الجزيرة ومهوى أفئدة الناس.
ومع أن قريشاً عرفت صدقه وشهدت أمانته، إلا أنها قاومته خوفاً على نفوذها، لتبقى الحجة أبلغ: أن الكفر ليس دائماً جهلاً بالحق، بل قد يكون عناداً ومصالح دنيوية. وهكذا جاء النبي الخاتم من بيئة تحترمه العرب وتعرفه، ثم كذبوه حسداً وظلماً، ليظهر أن الحق يعلو ولو كره الكافرون.
إنها حكمة الله التي لا تُدركها العقول إلا بالتأمل، أن جعل الرسالة الخاتمة تنبثق من مكة، ومن قريش بالذات، لتكون الكلمة الأخيرة في تاريخ الوحي كلمةً عالميةً خالدة

