المحامي الدكتور عبداللطيف الخرجي
كثيرًا ما يطلق الناس في لحظات الغضب أدعية بالشر على غيرهم، ظنًّا منهم أن الأمر لا يتجاوز كونه كلمات عابرة سرعان ما تُنسى· لكن الواقع يثبت أن مثل هذه العبارات قد تترك أثرًا عميقًا، ليس فقط في مشاعر من وُجهت إليه، بل قد تتحول إلى سبب لنزاع قضائي يطال السمعة والاعتبار·
يقول المحامي الدكتور عبداللطيف الخرجي، الشريك والمؤسس في شركة “أسيس يور” للمحاماة والاستشارات القانونية “الفقهاء قرروا منذ القدم أن الدعاء على الغير بغير حق لا يجوز شرعًا، بل هو نوع من البغي والعدوان· وقد نصت بعض كتب الفقه المعتبرة على أن مثل هذا الفعل موجب للتعزير· أما اليوم، فإن الأنظمة الحديثة لم تعد تركز على العقوبة التعزيرية وحدها، بل توسعت لتأخذ بمبدأ التعويض المدني متى توافرت أركان المسؤولية الثلاثة: الخطأ، والضرر، وعلاقة السببية·”*
ويضيف الدكتور الخرجي أن بعض الفقه والقضاء يرون أن الدعاء بالشر قد يشكّل صورة من صور السب غير المباشر، لأنه يحمل معنى الازدراء والتحقير· فعندما يقول شخص لآخر: *”الله يخرب بيتك”* أو *”عساك ما تقوم بالسلامة”*، فإن هذه العبارات لا تُفهم مجرد دعاء، بل تعبير عن احتقار واضح، وهو ما اعتبرته محكمة النقض المصرية منذ أوائل القرن العشرين خدشًا للشرف والاعتبار، وجرى إلحاقه بجريمة السب·
لكن في المقابل، هناك اتجاه آخر يرى أن الدعاء وحده لا يكفي لقيام جريمة السب، ما لم يتضمن وصفًا صريحًا أو إلصاقًا بعيب يمس الشخص مباشرة· وقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا في دولة الإمارات هذا المبدأ في حكمها الصادر مطلع عام 2023م، حيث بيّنت أن معيار السب هو الشتم أو الوصف المعيب الواضح، وأن الأمر متروك لتقدير القاضي بحسب سياق الدعوى وما تحمله الألفاظ من دلالات·
ويخلص الدكتور الخرجي إلى القول: “مهما اختلفت الاتجاهات، فإن الدعاء بالشر بغير حق يظل سلوكًا مرفوضًا شرعًا وأخلاقًا، وإذا أدى إلى ضرر فإنه قد يكون سببًا للتعويض· وعلى الناس أن يدركوا أن الكلمات قد تُحدث من الأذى ما يفوق الأفعال، وأن كلمة تُقال في لحظة غضب قد تفتح بابًا إلى نزاع قضائي غير متوقع·”
وهكذا يتضح أن الدعاء بالشر لا يُعد مجرد انفعال عابر، بل قد يترتب عليه تبعات قانونية تمس السمعة والكرامة، وتفتح باب التعويض متى توافرت شروطه. فالكلمات ليست دائمًا عابرة، ورُبَّ كلمة تقول لصاحبها دعني، إذ تجر قائلها إلى ما لم يكن يتوقعه من مساءلة ومسؤولية

