بندر بن عبدالله بن محمد
تمهيد
لم يَرِدْ في الصحيحين شيءٌ عن قصة الغرانيق، وإنما اشتهرت عبر نقولٍ في بعض كتب التفسير والسير بأسانيدٍ ضعيفة ومنقطعة. وخلاصتها أن الرسول ﷺ حين تلا سورة النجم زُعم أنه قال: “تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى”، فظنّ المشركون أنه مدح آلهتهم وسجدوا معه. هذا الزعم اتُّخذ ذريعةً للطعن، مع أنّ القرآن نفسه, وسياق الآيات, ونقد الأسانيد، كلّها تُسقطه أصلًا.
مصدر القصة وأصلها
ترجع بذرة القصة إلى نُقول الإسرائيليات وروايات القصّاص والزنادقة التي تسرّبت مبكرًا إلى بعض المصنفات. وأول من بَسَطَها تفصيلًا محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) في تفسيره عند سورة النجم ثم أعادها في تاريخه. ونُسبت طرقها إلى أسماء كـمحمد بن كعب القرظي وسعيد بن جبير والضحاك، لكن جميعها إمّا منقطعة أو مرسلة أو فيها متروكون، وبعضها يدور على رواةٍ مجروحين. ومن هذا المنفذ انتقلت القصة مختصرة إلى كتبٍ لاحقة.
من ذكر القصة ومن ردّها
- ابن إسحاق (ت 150هـ): نُسبت إليه في بعض روايات السيرة بغير سندٍ ثابت.
- ابن سعد (ت 230هـ): أشار إليها في الطبقات الكبرى من غير إسنادٍ معتبر.
- البغوي (ت 516هـ): أوردها في معالم التنزيل نقلًا عن روايات الطبري.
- الزمخشري (ت 538هـ): ذكرها في الكشّاف عند تفسيره لآية الحج: 52.
وفي مقابل ذلك صرّح بردّها محققون من المفسرين والمحدثين:
- القرطبي (ت 671هـ): ذكرها ثم ضعّفها، مؤكِّدًا حفظ الله لرسوله من مثل ذلك.
- الرازي (ت 606هـ): فسّر آية الحج: 52 تفسيرًا عامًا في تشويش الشيطان على الأتباع لا على ألسنة الرسل، فأسقط دلالة القصة.
- النووي (ت 676هـ): نصّ على عدم ثبوتها سندًا ومخالفتها للأصول القطعية.
- ابن كثير (ت 774هـ): حكم ببطلانها، وعدّها من وضع الزنادقة، وقرّر أن الوحي محفوظ.
- ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ): أكّد في فتح الباري أنها لا تصح بإسنادٍ يُحتج به.
التدبر في سياق الآيات (الحج: 51–53)
القرآن يفسِّر بعضه بعضًا، وإذا قرأنا الآيات على نسقها بان المراد:
- الحج: 51 ﴿وَالَّذينَ سَعَوا في آياتِنا مُعاجِزينَ أُولئِكَ أَصحابُ الجَحيمِ﴾
يُسمّي اللهُ خصومَ الوحي معاجزين: يسعون لإبطال الحق ويتمنّون ما يوافق أهواءهم.
- الحج: 52 ﴿وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ مِن رَسولٍ ولا نَبِيٍّ إِلّا إذا تَمَنّى أَلقى الشَّيطانُ في أُمنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ ما يُلقي الشَّيطانُ ثُمَّ يُحكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَليمٌ حَكيمٌ﴾
المقصود أن الشيطان يُلقي في أمنية المعاجزين؛ أي فيما يتمنّونه ويشتهونه من باطل, فيُزيّنه لهم عند السماع والتأويل. لا علاقة لذلك بلسان الرسول ﷺ ولا بنصّ الوحي. ولفظ تمنّى هنا في لسان العرب يجري على معنى تلا وقرأ أيضًا, فيكون الإلقاء تشويشًا يطرأ في أسماعهم وأهوائهم زمن التلاوة، لا في كلام الرسول.
- الحج: 53 ﴿لِيَجعَلَ ما يُلقي الشَّيطانُ فِتنَةً لِلَّذينَ في قُلوبِهِم مَرَضٌ وَالقاسِيَةِ قُلوبُهُم﴾ يُصرّح بأن ما يُلقيه الشيطان فتنةٌ للمرضى القلوب؛ يمتحنهم الله بها, بينما ينسخ (يمحو ويُبطل) ذلك, ويُحكم آياته للمؤمنين.
بهذا النسق يتبيّن أن ربط الآية 52 بقصة الغرانيق قلبٌ للمعنى؛ فالآيات تقرِّر سنّة الابتلاء بتشويش الشيطان على السامعين المعاندين, لا على لسان الرسول.
معنى “تمنّى” و”النسخ” في الآية
- تمنّى: تأتي بمعنى قرأ وتلا في استعمال العرب, ومنه “تمنّي الكتاب”. وعلى هذا لا دلالة فيها على نُطق الرسول بشيءٍ من الباطل.
- فَيَنسَخُ اللَّهُ ما يُلقي الشيطان: أي يزيله ويبطله من عقول وأوهام المعاندين, ويُميِّز الحق من الباطل, ثم يُحكم آياته فيُثبِّتها بيّنةً لا التباس فيها.
نقد القصة سنداً ومتناً
- سنداً: جميع طرقها ضعيفة أو منقطعة أو فيها متروكون, فلا ينهض منها شيء للاحتجاج.
- متناً: تصادم أصل الرسالة؛ فالرسول ﷺ معصومٌ في تبليغ الوحي، لا ينطق إلا بالحق فيما يبلّغه عن ربه ﴿وما يَنطِقُ عنِ الهوى * إن هو إلّا وحيٌ يُوحى﴾ [النجم: 3–4]،
﴿ولو تَقوَّلَ علينا بعضَ الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين﴾ [الحاقة: 44–46]. أما ما يجري في نطاق الاجتهاد البشري للنبي خارج التبليغ، فيُصحِّحه الوحي كما في صدر سورة التحريم. فالقصة ـ لو سُلِّم بها جدلًا ـ لا يمكن أن تُلحق بالتبليغ المعصوم؛ غير أنّها أصلًا لا تثبت.
الخاتمة
يتكامل الدليل من جهاتٍ ثلاث:
- تاريخيّآً: القصة خرجت من مصادر واهية تسرّبت عبر نقولٍ غير ممحّصة، ونقلها بعض المصنِّفين سرداً, بينما ردَّها المحققون من المفسرين والمحدثين صراحة.
- قرآنيّاً: سياق الحج: 51–53 يُبين أن الشيطان يُلقي في أمنية المعاجزين ليفتن المرضى القلوب، وأن الله ينسخ ذلك ويُحكم آياته؛ فلا مدخل للشيطان إلى لسان الرسول ولا إلى نصّ الوحي.
- أصليّاً: الرسالة محفوظةٌ بحفظ الله, والرسول ﷺ معصومٌ في التبليغ, فلا يلتبس كلامه عن ربه بباطل.
وعليه: قصة الغرانيق باطلة لا تقوم بها حُجّة, لا سنداً ولا معنى. والقرآنُ داحضٌ لها قبل نقد المحدِّثين؛ إذ أبقى الوحيَ بيِّناً محكماً, وجعل ما يُلقي الشيطان مجرّد فتنةٍ للمعاندين, لا نصّاً يُتلى ولا قولاً يُنسب إلى الرسول الأمين ﷺ.

