د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
منذ نهاية الحرب الباردة والعالم يتأرجح بين قطبين: غربي تقوده الولايات المتحدة بقوتها العسكرية والاقتصادية والإعلامية، وشرقي تتناوب عليه موسكو وبكين بمزيج من الصلابة الأيديولوجية والنفوذ الاقتصادي الصاعد، لكن ما بين هذين العملاقين، وفي الفراغ الذي تركه استعلاء الغرب وجمود الشرق، تنبثق فلسفة جديدة تعيد تعريف القوة نفسها، إنها فلسفة القطب الأوسط التي تمسك المملكة العربية السعودية بزمامها بثبات غير مسبوق، وتعيد من خلالها صياغة شكل النظام العالمي القادم لا كمجرد لاعب، بل كـ(مركز ثقل) يعيد توزيع الجاذبية السياسية.
في حين أرهق القطب الغربي العالم بمنطقه القائم على التدخل والوصاية، وأغرق القطب الشرقي نفسه في سباق نفوذ يعيد إنتاج منطق الحرب الباردة بأساليب ناعمة، جاءت الرياض لتقدّم خياراً ثالثاً يتجاوز الثنائية المتكلسة: لا تبعية، ولا انعزال، بل توازن حيوي ينسج خيوط السياسة والاقتصاد والأمن في شبكة من العلاقات المتقاطعة التي تحمي مصالحها وتمنحها هامش مناورة غير مسبوق. إنها لا تسعى لأن تكون امتداداً لقوة قائمة، بل مركزاً لقوة لا تقهر.
من واشنطن إلى بكين، ومن بروكسل إلى موسكو، تدرك العواصم الكبرى أن الرياض لم تعد تقف في مقعد المتفرج. لقد انتقلت إلى قلب الطاولة، وبدأت تملي إيقاعها الخاص على السياسة الدولية. في ملف الطاقة مثلاً ، لم تعد المملكة مجرّد مُصدرٍ تقليدي للنفط، بل لاعباً قادراً على إعادة تسعير موازين السوق العالمية، وعلى استخدام سلاح الإنتاج والتخفيض ليس للابتزاز بل لحماية استقرار الاقتصاد العالمي.
وفي الدبلوماسية، لم تعد الرياض ملعباً للتنافس بل ساحةً لصناعة التسويات، من المصالحة الإيرانية – السعودية، إلى إعادة دمج سوريا في محيطها العربي، وصولاً إلى الوساطات التي جعلت من (الموقف السعودي) رمانة ميزان لا غنى عنها.
وفي حين يعتمد الغرب على منظومة أحلاف جامدة تجرّه إلى أزمات لا تنتهي، ويعتمد الشرق على سياسة المحاور التي تقيّد حركته، اختارت السعودية أن تبني فلسفتها على المرونة الاستراتيجية: تقيم علاقات قوية مع الصين دون أن تدير ظهرها لأمريكا، وتنسّق مع موسكو دون أن تعادي أوروبا، وتفتح أبوابها لشرق آسيا دون أن تغلقها أمام إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
هذا الانفتاح المتعدّد الأبعاد ليس حياداً كما يتصوره البعض، بل هو شكل جديد من أشكال القوة: القوة التي تأتي من القدرة على الحديث مع الجميع دون الارتهان لأحد.
ولأن أي قطب لا يكتمل من دون رؤية، فقد كانت رؤية 2030 بمثابة الوثيقة التأسيسية لهذا الاتجاه. لم تعد السعودية تراهن فقط على النفط، بل تبني اقتصاداً متنوعاً يصعد بسرعة نحو مراكز القرار في الطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والسياحة، والفضاء، والتقنية.
هذا التحوّل الاقتصادي الجذري يربط فلسفة القطب الأوسط بالواقع العملي، ويحوّلها من شعار إلى منظومة متكاملة قادرة على المنافسة في أكثر الملفات حساسية التي كانت حتى وقت قريب حكرًا على القوى العظمى.
أما في الأمن والسياسة الإقليمية، فقد تحوّلت المملكة من مجرد عنصر توازن إقليمي إلى فاعل عالمي محوري يملك مفاتيح الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والعالم. فمن اليمن إلى السودان، ومن العراق إلى لبنان، لا يمكن لأي تسوية أن ترى النور من دون بصمة سعودية واضحة. والأهم أن هذه البصمة لا تأتي عبر التدخل الفج أو الهيمنة العسكرية، بل عبر القوة الناعمة الصلبة التي تجمع بين الدبلوماسية الذكية والدعم الاقتصادي والقدرة على بناء تحالفات عابرة للجغرافيا والأيديولوجيا.
وإذا كان الغرب يحاول فرض قيمه بالقوة الناعمة التي كثيراً ما تتحوّل إلى ابتزاز سياسي، وكان الشرق يلوّح بالقوة الخشنة التي كثيراً ما تؤدي إلى العزلة، فإن القطب الأوسط يقدم صيغة ثالثة أكثر توازناً : قيم السيادة، والاستقرار، والاحترام المتبادل. إنه نموذج لا يسعى لتغيير الآخر وفق صورته، بل لخلق بيئة يتعايش فيها المختلفون دون صدام. ولهذا السبب تحديدًا، يجد هذا النموذج قبولاً متزايداً في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهي المناطق التي ستحدد مصير النظام العالمي القادم.
وربما تكمن أعظم قوة في فلسفة القطب الأوسط في قدرتها على تفكيك الاحتكار (الغربي – الشرقي) للقيادة. فبينما يرى الغرب العالم ملعباً لمصالحه، ويرى الشرق العالم ساحة لصراعاته، ترى السعودية العالم شبكة مصالح مشتركة لا بد من إدارتها بعقلانية. هذا التحوّل في زاوية الرؤية يجعلها لاعباً لا غنى عنه لأي معادلة دولية قادمة، ويمنحها قدرة ناعمة على التأثير تفوق أحياناً ما تملكه القوى النووية من ترسانة.
ليس مبالغة القول إن النظام الدولي الذي يتشكّل الآن لن يكون ثنائيّ القطب كما كان في القرن العشرين، ولن يكون متعدد الأقطاب كما بشّر به المنظرون، بل سيكون أقرب إلى (هندسة مراكز) متعاونة، يتوسطها قطبٌ عربيٌ إسلامي قويّ بقيادة السعودية، يوازن الغرب ويُكمل الشرق ويمنع كليهما من الانفراد بمصير العالم. تلك هي فلسفة القطب الأوسط: أن تكون جسراً لا تابعاً ، مركز جذب لا هامش تأثير، صانع توازن لا ورقة تفاوض.
في زمنٍ يتراجع فيه الغرب عن قيادة العالم تحت وطأة الانقسامات الداخلية، ويتقدّم فيه الشرق بثقل اقتصادي يفتقر للرؤية القيمية، تبدو المملكة العربية السعودية في موقعٍ استثنائي لتقود عصراً جديداً من السياسة الدولية. عصر لا يقوم على الغلبة بل على التوازن، ولا على الإقصاء بل على الشراكة، ولا على السيطرة بل على السيادة.
القطب الأوسط ليس شعاراً دبلوماسياً عابراً ، بل حقيقة تتشكل أمام أعيننا. ومع كل خطوة تخطوها السعودية في بناء تحالفاتها، وتنويع اقتصادها، وترسيخ سيادتها، يتأكد أن العالم يدخل مرحلة ما بعد الثنائية، مرحلة تتوسّطها الرياض بثقة، لا في ظل أحد، بل في قلب التاريخ.

