بندر بن عبدالله
تمهيد
في معظم البيوت يُقرأ القرآن الكريم تلاوةً بغير تدبّر، ويُتّبع ما قيل في الموروث من أقوال بغير فحص ولا نظر. ومع ذلك، فإن الله قد منح كل إنسان عقلًا يفكّر به، وأمره أن يزن الأقوال والأفعال، وأن يختار سبيله عن بصيرة. والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: هل يُحاسَب المرء لمجرد اتباعه للآخرين، أم أن الحساب يكون على تقصيره في استعمال عقله الذي أُعطي له أمانة؟
إن التدبّر في كتاب الله فريضة عقلية وقلبيّة، والامتناع عنه تضييع للأمانة التي حمّلها الله للإنسان. ولكن هذا التدبّر لا بد أن يُبنى على قاعدة قرآنية راسخة، قاعدة تحرّر النص من كل تشبيه أو تمثيل، وتفتح باب الفهم على ضوء التنزيه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
معنى “الساق” في القرآن
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: 42].
الأصل اللغوي للساق من الجذر (س و ق)، وهو ما يقوم عليه الشيء ويشتدّ به. ومنه جاء “السَّوق” أي قيادة الإبل ودفعها، إذ هو حركة وإلزام بالمضي إلى الأمام. وتقول العرب في وصف الحرب إذا اشتدّت: “كشفت الحرب عن ساقها”، أي بلغت غاية شدتها واستوت على قوّتها.
وبهذا المعنى جاء التعبير القرآني: “يُكشَف عن ساق”؛ أي يظهر الأمر العظيم في شدّته، وتنقشع الحجب عن الحقائق الكبرى، فيواجه الناس هول القيامة الذي لا مرد له. فلا يملكون في ذلك الموقف إلّا الذلّ والانكسار.
ويؤيد هذا الفهم مشاهد أخرى في القرآن رسمت صورة القيامة بنفس الرهبة: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: 108]، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: 2-4]، وكذلك قوله: ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: 44].
وهكذا يتضح أن “الساق” لا يُفهم على أنه صفة لله عز وجل، وإنما هو تعبير بلاغي بليغ عن شدّة الموقف وعظمة الهول يوم القيامة.
اليد والتأييد
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ۚ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10].
اليد هنا ليست جارحة، وإنما معناها القوّة والسلطان والعهد والتأييد. وهذا الاستعمال راسخ في لسان العرب، ومنه جاء الفعل “أيَّد” بمعنى قوّى، وكلمة “التأييد” أي الإمداد بالقوة والنصرة.
وهذا المعنى نفسه يظهر في مواضع أخرى من القرآن، مثل قوله تعالى عن داود عليه السلام: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17]، أي صاحب القوة والقدرة، وليس المراد به جمع الأيدي.
بين القول الموروث والتدبّر الحق
في مجتمعاتنا يُقال أحيانًا: “ذكر الله اليد، فلا نغيرها”. وهذا القول يبدو في ظاهره تعظيمًا للنص القرآني، ولكنه في باطنه تجمّد عند ظاهر اللفظ، وغفلة عن لسان العرب الذي نزل به القرآن. فالقرآن لم يُنزَّل لتُبدَّل ألفاظه، وإنما أنزل ليُتدبَّر وتُفهم معانيه:
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
ومثلما أُسيء الفهم في معاني الألفاظ، شاع كذلك القول بوجود “آيات منسوخة”. غير أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29]. فكيف يُقال إن بعض آياته أُبطلت أو نُسخت وهو الذي نفى التبديل عن كلامه؟! إنما الحق أن القرآن كله قائم محفوظ، يفسر بعضه بعضًا، وتكشف معانيه من خلال السياق والبيان.
التدبّر
إن النظر في الجذور والسياقات القرآنية يوضح أن المراد من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ هو انكشاف الشدّة يوم القيامة، وأن قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يدل على قوّته وسلطانه وتأييده لعباده، وأن وصف داود عليه السلام بأنه ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ يعني صاحب القوة. هذه المعاني تتفق مع البيان العربي، وتنسجم مع قاعدة التنزيه الجامعة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
الخاتمة
القرآن الكريم لم يأتِ بصفات تجسّم الخالق سبحانه، وإنما استخدم ألفاظًا عربية ليعبّر بها عن الحقائق الكبرى. فلا مجال للتجسيم ولا للقول بالنسخ أو التبديل، بل تدبّر يضيء المعاني من خلال الجذر والسياق، ويعيد القارئ دائمًا إلى أصل التنزيه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

