كتب: فهيم حامد الحامد – محلل استراتيجي
أضحى اتفاق شرم الشيخ بين سلطات الاحتلال الإسرائيلي وحماس اتفاقًا تاريخيًا بكل المعايير، كونه أنهى في مرحلته الأولى الحرب الصهيونية في غزة، ووضع حدًا للكـارثة الإنسانية، وهي الأعظم في القرن في حقبة التاريخ، خصوصًا أن الاتفاق الذي تم وفق مبادرة الرئيس ترامب فتح ثغرة إيجابية في مسار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، حيث تدخلت القوى الدولية والعربية والإسلامية بثقلها لإعادة ضبط البوصلة نحو التهدئة والحلول السياسية بدلًا من الحلول العسكرية التي تبنتها قوات الاحتلال لردحٍ من الزمن.
من إدارة الأزمة إلى صياغة الحلول
ويُعتبر اتفاق شرم الشيخ محطة فارقة في مسار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، إذ انتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة صياغة حل سياسي تحت مظلة عربية إسلامية دولية.
والاتفاق الذي جاء بضغط وتحريك من الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس ترامب، ووفق مبادرته التاريخية، تجاوز سقف التهدئة المؤقتة ليفتح نافذة باتجاه إعادة هيكلة التعامل مع ملف غزة بوصفها بؤرة صراع وإنساني معقدة.
أبعاد الاتفاق
بالرغم من أن الجوانب السياسية والعسكرية طاغية على اتفاق شرم الشيخ، إلا أن البعد الإنساني يُعد الأبرز، حيث تم توصيف ما يجري في غزة بأنه “الكارثة الإنسانية الأشد في القرن”، ما أضفى على الاتفاق طابعًا إنسانيًا وأخلاقيًا يتجاوز الأطر السياسية.
ويمثل الاتفاق اعترافًا غير مباشر من المجتمع الدولي بفشل مقاربة الحصار والعقوبات كوسيلة للضغط، ونجاح التحرك الجماعي.
البعد الجيوسياسي
وجاء الاتفاق حتمًا في لحظة تغير موازين القوى الإقليمية والدولية والمزاج العالمي، حيث لعبت السعودية دورًا هامًا وهادئًا في الاتفاق، فيما قادت قطر ومصر دور الضامن الإقليمي، ولعبت فرنسا والحلفاء الأوروبيون دور المنسق النزيه الدولي، في الوقت الذي أدار فيه ويتكوف المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط وجاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب الدور المحوري في ضبط بوصلة التوازن وضمان تنفيذ مبادرة ترامب نصًا وروحًا.
إسرائيل مجبرة
وفي ظل هذا الزخم العربي الإسلامي الأوروبي والأمريكي، وجدت إسرائيل نفسها مجبرة على تغيير استراتيجيتها العسكرية الغاشمة في غزة، والتحوّل من الخيار العسكري إلى المفاوضات السياسية بغطاء أمريكي.
البعد الأمريكي
مبادرة ترامب أعادت توجيه الدور الأمريكي من دعمٍ مطلقٍ لإسرائيل إلى دور “الوسيط القوي”، في محاولة لإعادة تشكيل الدور الأمريكي في المنطقة. وليس هناك رأيان في أن الاتفاق يشكّل ورقة ضغط أمريكية على الكيان الإسرائيلي لمراجعة مواقفه المتشددة في مرحلة لاحقة من مفاوضات الحل النهائي، خصوصًا إذا ارتأت واشنطن في مرحلة ما أنه حان الوقت للاعتراف بالدولة الفلسطينية في إطار مفهوم السلام العادل والشامل و”سلام الشجعان”، وهو ما قد يوصل إلى مسار التطبيع في حالة اعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية وتحقيق تطلعات الفلسطينيين المشروعة، بما في ذلك الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمةً لدولة فلسطين، وهذا هو الشرط الأساسي لأي مسار للتطبيع.
النتائج والتحديات
لقد حقق اتفاق شرم الشيخ وقف إطلاق نار شامل في غزة، وتعهدات بإدخال مساعدات إنسانية موسعة، وتشكيل لجنة مراقبة دولية لتنفيذ بنود الاتفاق، وإطلاق سراح الفلسطينيين والإسرائيليين كمرحلة أولى؛ فيما تكمن التحديات في ضبط بوصلة العودة إلى الطاولة السياسية لتجاوز المرحلة الأولى والدخول في الثانية والثالثة وهكذا للوصول إلى مفهوم السلام الشامل ومفاوضات الحل النهائي وفق اتفاق شرم الشيخ، الذي يعكس تحوّلًا عن لغة القوة نحو منطق الدبلوماسية.
الدلالات التأثيرية الإيجابية
ومن الدلالات التأثيرية الإيجابية؛ إحياء دور الوسيط العربي، قطر ومصر، اللتين أعادتا تأكيد موقعهما الجيوسياسي كضامن ومسهّل للحوار الحالي والمستقبلي في جميع المسارات التفاوضية القادمة. كما مثّل اتفاق شرم الشيخ اعترافًا صريحًا بالأزمة الإنسانية غير المسبوقة عالميًا، والتي فرضت حلاً عاجلًا وليس مؤجلًا.
مفهوم سلام الشجعان
وفي الحقيقة، فإن مسمى “سلام الشجعان” ظهر لأول مرة على لسان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ودعا لتحقيقه كونه يتطلب تنازلات متبادلة وقرارات صعبة من الطرفين.
ومن الأهمية الإشارة إلى أن تماسك الجبهة الفلسطينية الداخلية، وتوحيد الصف، وترتيب البيت من الداخل، وتحقيق مصالحة وطنية عاجلة بين الفصائل الفلسطينية لإظهار “طرف موحّد” يمثل الدولة المعترف بها، يُعد أحد أهم المحاور في استمرار نجاح الاتفاق والتعويل على التقدم في المفاوضات القادمة.
كما يجب على الإسرائيليين الاستمرار في تنفيذ ليس فقط المرحلة الأولى من اتفاق شرم الشيخ، بل جميع المراحل القادمة، والاعتراف بالحقوق المشروعة، والتوقف عن الإجراءات الأحادية والاستيطان.
وعلى المجتمع الدولي الالتزام بتفعيل القرارات الأممية لا مجرد إدارتها، واستمرار الضغط على إسرائيل.
ما بعد الاتفاق – ملامح المرحلة المقبلة
ويتوقع المراقبون تحولات دبلوماسية في مسار السلام في الشرق الأوسط، وازدياد الاعترافات بالدولة الفلسطينية دوليًا، فضلًا عن تقديم مبادرات اقتصادية وإنسانية مرافقة لاتفاق شرم الشيخ لتخفيف الضغوط على المدنيين وخلق بيئة مساعدة للحوار، فضلًا عن تثبيت وقف إطلاق النار كمدخل لتفاهمات أوسع.
و”سلام الشجعان” ليس شعارًا، بل خيارًا استراتيجيًا يتطلب إرادة سياسية جماعية وإعادة تعريف للثوابت وفق مرجعيات الشرعية الدولية والمبادرة العربية. وما بعد شرم الشيخ يجب أن يكون مسارًا باتجاه التسوية بمفهومها الشامل لا مجرد هدنة مؤقتة، خصوصًا أن العدوان الإسرائيلي المتكرر على غزة وجرائم الحرب الموثقة أدت إلى تآكل صورة إسرائيل كدولة “تزعم أنها ديمقراطية”.
اختلال تاريخي في ميزان العدالة
لقد صحح العالم اختلالًا تاريخيًا طويلًا في ميزان العدالة الدولية، بسبب الضغوط الداخلية في بعض الدول الغربية من البرلمانات والرأي العام العالمي.
الآثار الجيوسياسية
إن تدويل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بشكل أوسع وأشمل أعاد القضية إلى جدول أعمال المؤسسات الدولية، وأضعف مكانة إسرائيل الدبلوماسية، خصوصًا في المنظمات الحقوقية والبرلمانات الدولية.
الفرصة الاستراتيجية
ومن الأهمية بمكان تشكيل كتلة عربية – إسلامية – أوروبية داعمة لفلسطين في الأمم المتحدة والمحافل الدولية، وبلورة رؤية فلسطينية موحدة تسير بمسار الاعتراف السياسي إلى مسار تحرري فعلي، إلى جانب استخدام الاعترافات كوسيلة لعزل إسرائيل قانونيًا وأخلاقيًا، وتفعيل التحرك العربي والإسلامي لتوسيع دائرة الاعتراف الدولي، خاصة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
وأخيرًا، من الضروري الضغط لعقد مؤتمر دولي للسلام برعاية الأمم المتحدة، بمشاركة الأطراف العربية والإسلامية والأوروبية الفاعلة للوصول إلى سلام الشجعان، واستعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة.

