بندر بن عبدالله بن محمد
تمهيد
لم يكن اختلاف رسم القرءان عن كتاباتنا مسألة خطٍّ أو عادةٍ لغوية، بل فارقًا في طبيعة العلم نفسه. فالقرءان كُتب بعلم الله، ونحن نكتب بعلمنا القاصر.
هو رسمٌ يُعلّم، ونحن نرسم لنُعبّر. الفرق بينهما كالفرق بين من يرى النور في ذاته، ومن يستضيء به من بعيد.
كلّ حرفٍ في القرءان له وزن، وكلّ حذفٍ أو زيادةٍ فيه له معنى. فهو لا ينقل الصوت فقط، بل يحتوي المعنى والزمن والمقام في هيئة الكلمة.
الرسم فيه بيان، كما أن التلاوة بيان، والترتيل جمعٌ بينهما؛ فالبيان في القرءان ذو وجوهٍ ثلاثة: يُتلى في اللسان، ويُرى في الرسم، ويُفهم بالترتيل، وهذه الوجوه الثلاثة مظاهر للوحي الواحد.
فالقرءان من الخالق، والقرآن من المخلوق؛ الأول أمرٌ تكوينيٌّ نازل، والثاني تلاوةٌ بشريةٌ تُعيد الوعي إليه.
الرسم القرآني والوعي البشري
حين ضعُف العلم في القرون الفائتة، اتجه الناس إلى تبسيط الكتابة لتسهيل التعليم، فولِد الإملاء الحديث على حساب عمق الرسم القرآني.
كتب الناس كما يسمعون، بينما كُتب القرءان كما يُعلِّم. فما ظُنَّ أنه تيسير، كان في الحقيقة تفريطًا في طبقةٍ من البيان.
فالرسم القرآني لم يكن جهلًا، بل علمًا لم ندركه.
الفعل والقول
من أعمق أمثلة هذا التفرّد ما نراه في الفرق بين الصلوة والصلاة. فالصلوة — بالواو — هي العبادة الحركية التي تتجلّى في القيام والركوع والسجود، بينما الصلاة — بالألف — هي الدعاء والمناجاة.
ولهذا قال تعالى: ﴿…وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا…﴾ [الإسراء: 110]،
فالمعنى ليس في الجسد بل في الصوت؛ لا ترفع صوتك حتى يلتبس بالرياء، ولا تُخافت به حتى يغيب عن قلبك.
هكذا يفرّق الرسم بين عبادة الجسد وعبادة الكلمة، ليُعلّم أن القرب من الله ليس حركةً فقط، بل حضورًا في الفعل والقول معًا.
حركة الحرف وسكونه
في القرءان كلّ تاءٍ مفتوحةٍ أو مربوطةٍ موضوعة بميزان. وفي رأيي، التاء المفتوحة هي تاءٌ مفتوحة من الخالق، أي أن معناها قد نزل من علم الله إلى الوجود،
فانفتح بابها لأن ما أودع الله فيها من أمرٍ قد بدأ في التحقّق بالفعل. فهي علامة على اكتمال التنزيل وبدء التجلّي، كما في قوله تعالى: ﴿…رَحْمَتُ اللَّهِ…﴾ [الزخرف: 32]، أي الرحمة النازلة بالفعل، المفتوحة من السماء إلى الأرض.
أما التاء المربوطة فهي بابٌ مغلق بعد الوعد، أي أن معناها ما زال في خزائن الغيب لم يُؤذَن له بالظهور بعد. فهي صفة ثابتة في علم الله، لكن فتحها لم يحن بعد، كما في قوله تعالى: ﴿…وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ…﴾ [الأنبياء: 107]،
لأنها رحمةٌ مكتوبة لهم ستُفتح يوم يكتمل الإيمان وتظهر تمامها في الآخرة. وبهذا المعنى، فالمفتوحة تُشير إلى الفتح النازل، والمربوطة إلى الفتح المؤجَّل؛ الأولى من العطاء الجاري، والثانية من الوعد المنتظر، وكلاهما من تدبيرٍ واحدٍ في علم الله.
وهذا رأيي فيما بلغه فهمي اليوم، إذ إنّ القرءان كتابٌ حيٌّ لكلّ زمانٍ ومكان، وما سيأتي من تدبرٍ في المستقبل قد يُظهر وجوهًا جديدةً لم تُدرَك بعد، لأن نور كلام الله لا يُحدّ برأيٍ واحد.
القرءان والقرآن
حين نقرأ كلمة (قرءان) في الرسم القرآني، نرى أن الهمزة لم تأتِ عبثًا. فهي من الجذر (ق ر أ) الذي يجمع بين القراءة والجمع. فالقرءان هو الكتاب الذي جُمِع فيه الوحي وتُلي في آنٍ واحد،
يجمع بين فعل الله في إنزاله، وفعل الإنسان في تلقيه. أما في الإملاء الحديث – حين أُسقطت الهمزة – بقي اللفظ يدلّ على التلاوة فقط.فحُذِف من الكلمة سرّ الجمع، وبقي ظاهر القراءة.
وهكذا تاه عن الناس أنّ “القرءان” ليس نصًّا يُقرأ، بل نظامٌ يُفهم، يجمع اللفظ بالمعنى، والأمر بالتكوين.
القراءة: من الجمع إلى الفهم
في لسان العرب، قرأت القوم تعني: جمعت أحوالهم وفهمت ما فيهم، من قوتهم وضعفهم، من ظاهرهم وباطنهم. فالقراءة في أصلها ليست تلاوة، بل جمع وتحليل وتفكيك للمعنى. ولهذا كان أول أمرٍ في الوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، أي افهم الخلق باسم خالقهم، وادرك قوانين الوجود بنور الحق. فالقراءة هنا وعيٌ بالأشياء في مواضعها، تضمّها بالنظر، وتفكّكها في الفهم، لتصل إلى الحقيقة الكامنة فيها، ولذلك سُمِّي القرءان قرءانًا، لأنه يجمع بين العلم والعمل، والفهم والتطبيق.
وقال المنشد: يا حافظَ القرءانِ لستَ بحافظٍ حتّى تكونَ لما حفظتَ مطبِقًا.
القراءة الإلهية والقراءة الإنسانية
الإنسان يقرأ ليعرف، أما الله فيعلم قبل أن يكون الشيء مقروءًا. فالقراءة في حقّ الله هي إحاطة، وفي حقّ الإنسان اكتشاف. قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أي إذا جمعناه وبيّنّاه لك بالوحي، فاتّبع ترتيبه وافهم بيانه. فـ”قراءة الله” للوحي هي إنزال وتقدير، و”قراءة الإنسان” هي تدبّر وفهم. وبين القراءتين مسافة العلم كلّه:
فمن قرأ خلق الله كما يقرأ كلامه، أدرك أن الوجود نفسه كتابٌ مفتوح لمن أبصر.
إشارة وجودية
القرءان لا يُقرأ بلسانٍ فقط، بل بعين القلب. حروفه لا تنقل صوتًا، بل تفتح باب وعيٍ بين الخلق والخالق. ولهذا لا نكتب مثل القرءان، لأننا نكتب من خارج النور، أما القرءان فكُتب من داخل الحقيقة. هو كلامٌ يجمع ولا يفرّق، يبيّن ولا يشرح، يخلق الفهم في قارئه كما خلق الخلق من أمره. فمن قرأه قراءة الوعي، لا قراءة العادة، رأى في كلّ حرفٍ منه علماً يجري كما يجري الخلق نفسه.
خاتمة
إنّ الكتابة التي بين أيدينا لا تشبه كتابة القرءان، لأننا نكتب بما نعرف، والقرءان كُتب بما لا يُحدّ من علم الله.نحن نخطّ الحروف بحثًا عن الفهم، أمّا هو فقد نزل ليُعلّمنا كيف نفهم.
كلّ آيةٍ فيه باب، وكلّ حرفٍ طريق، وكلّ اختلافٍ في رسمه إشارةٌ إلى معنى لم يُستكمل وعيُه بعد. فمن قرأه بعين الزمان فهم ظاهر الكلمة، ومن قرأه بعين الأبد رأى النور الكامن خلفها. وسيظلّ القرءان كتابًا حيًّا، يتجدّد مع كلّ عصر، وينطق لكلّ قلبٍ صادق، لأنّ كلماته ليست أصواتًا، بل أنوارٌ من أمر الله، تتبدّى بقدر صفاء النفس، وتُفتح لمن أراد الله له الفتح.

