نهر عبد الوهاب حريري
باحثة دكتوراة بجامعة الملك سعود
هناك فنّ ياباني قديم يُدعى الكينتسوجي، يقوم على ترميم الأواني المكسورة بخيوط من الذهب، لا لإخفاء الكسور، بل لإبرازها كجزء من جمال القطعة وتاريخها. هذه الفلسفة البسيطة تُعيد تعريف مفهوم الجمال، إذ تجعل الندبة نفسها دليلاً على الصمود، والشرخ رمزًا للحياة، لا علامة على نهايتها.
هكذا هو الإنسان أيضًا، حين ينكسر من الداخل ويظن أنه انتهى، بينما في الحقيقة بدأ لتوّه فصلاً جديدًا من نضجه. إنّ الانكسار ليس نقيض القوة، بل صورتها الأكثر صدقًا. فالقوة ليست في أن نبقى متماسكين طوال الوقت، بل في أن نجد في هشاشتنا سببًا آخر للنهضة، وأن نحول كسورنا إلى ممرات يدخل منها الضوء.
قد نحاول كثيرًا أن نُخفي ما انكسر فينا، أن نُعيد ترميمه في الخفاء كأننا نخجل منه، لكن الحقيقة أن الندوب التي نحملها هي التي تُعرّفنا. هي خرائط أرواحنا، وشواهد على أن الحياة لم تمرّ بنا عبثًا. الجمال الحقيقي لا يسكن الوجوه الكاملة، بل الأرواح التي عرفت النقص ثم اختارت أن تُضيء.
كم من مرة انكسرت أغصاننا أمام رياح الواقع، لكننا عدنا لنزهر من جديد، لأن الجذور التي سُقيت بالصبر لا تموت. نحن نُزهر حين نُسامح، وننبت من وجعنا حين نفهم أن الله يرممنا بخيوطٍ من رحمته كما يُرمم الحرفيون أوانيهم بالذهب. تلك الخيوط غير مرئية، لكنها تلمع في القلب وتُعيد إلينا اتزاننا الداخلي وجمالنا الخاص.
انكسارك جمال… لأنك حين تنكسر، تتذكّر حقيقتك كإنسان. ففي لحظة السقوط، تلتقي بجزءك الأصدق، ذلك الجزء الذي لا يبحث عن الكمال ليكون جميلًا، بل يكتفي بأنه حيّ. فكل شرخٍ فيك ليس نهاية، بل وعدٌ بإعادة التشكيل بخيوطٍ من نورٍ، تُبقي الوجع حاضرًا لكنها تحيله إلى فنّ يروي حكايتك من جديد.

