د. محمد العرب
منذ ملايين السنين ونحن نتوهّم أننا خرجنا من القطيع، أننا ارتقينا فوق القرود والزواحف والبعوض. لكن الحقيقة أكثر قسوة: لم نتجاوز شيئاً، بل أتقنّا لعبة واحدة فقط، (التحديق). نعم، التحديق الذي بدأ كوسيلة للبقاء صار اليوم ديانتنا السرية. نحن لا نعيش حياتنا، بل نستهلك حياة الآخرين، نلوكها بالعين كما تُلوك الديدان الجثث.
العلماء يقولون إن مراقبة الآخرين كانت أداة للبقاء. جميل، لكن متى تحوّلت أداة البقاء إلى لعنة الفناء؟ أجدادنا كانوا يراقبون كي يعرفوا متى يهاجمون، كي ينجوا من الطرد من القبيلة، أما نحن فنراقب كي نُخدّر موتنا البطيء. لا نراقب كي نحيا، بل كي ننسى أننا لم نعد نحيا أصلًا.
اليوم، لا يحتاج الإنسان إلى نار في كهف ليتزاحم حولها. النار صارت شاشة، والكهوف تحولت إلى غرف مضاءة. ما زلنا نحشر أنفسنا أمام فتحة ضيقة، لكن الفتحة اليوم اسمها (إنستغرام) أو (تيك توك). نراقب الآخرين كما لو كانوا مسرحاً، بينما نحن في الحقيقة الجثث الحقيقية في مقاعد المتفرجين.
أينما تلتفت تجد نفس الطقس الطفيلي. في الشارع، الجميع يحدقون في شاشات صغيرة، يترقبون من سقط، من خان، من بكى. في المنازل، العيون محصورة في عوالم افتراضية أشد ضيقاً من توابيت. نحن لم نعد نرى وجوهنا، لم نعد نتذكر أنفسنا. كل ما نراه هو الآخر، لكن ليس الآخر الحقيقي، بل صورته المفبركة، صرخته المعلبة، دموعه المصوّرة. نحن لا نعيش في مجتمع بشري، نحن نعيش في مقبرة مفتوحة، حيث تتغذى الجثث على جثث.
حتى الفلسفة لم تسلم. نسمي هذا الفضول (الوعي الاجتماعي) أو (ثقافة المشاركة)، وكأننا نرتكب فعلاً سامياً. لكن أي وعي في عين تترصد سقوط غيرها كي تضحك؟ أي ثقافة في جموع تنتظر لحظة فضيحة كي تنقضّ مثل غربان على جيفة؟ نحن لسنا مثقفين، نحن مجرد آكلي لحوم بشر بلا دماء.
نحن لا نبحث عن الحقيقة، نحن نبحث عن الدم. لا نريد أن نرى نجاحاً، بل نريد أن نرى انهياراً. لهذا تنتعش الأخبار السيئة، ولهذا تملأ الفضائح كل الشاشات. نحن نرتوي من الألم، ونستيقظ كل صباح كي نرى من سيموت علناً اليوم. إن حياتنا الخاصة تافهة لدرجة أننا لا نحتملها إلا بامتصاص حيوات الآخرين.
والمفارقة أننا نضحك على القرود. نقول إنهم بدائيون لأنهم يتجمهرون لمشاهدة قتال. لكن القرد صادق، يراقب ليعرف موقعه في السلم. أما نحن فنمارس اللعبة نفسها ونحن نزعم أننا نمارس حرية التعبير أو نبحث عن دروس أخلاقية. نحن منافقون أكثر من أي كائن عرفه التاريخ.
إنسان اليوم لا يملك قلباً نابضاً، بل عيناً جائعة وفماً رقمياً. كل صورة يبتلعها، كل إشاعة يلوكها، كل انهيار يتلذذ به، ليس إلا محاولة بائسة لتأجيل لحظة مواجهة نفسه. لكنه لا يعرف أن الموت لا يتأجل، إنه يتقدّم ببطء، يبتسم ساخراً، بينما نحن نغرق في شاشة مضيئة نعتقد أنها حياة.
لقد تحولت المراقبة من وسيلة للبقاء إلى مسمار في نعشنا. نحن نستهلك الآخرين لدرجة أننا لم نعد نملك شيئاً لنتشبث به. ما نفع أن تعرف من خان أو من صرخ أو من انهار؟ هل منحك ذلك حياة أعمق؟ أم منحك فقط وهماً بأنك أقل هشاشة من ضحيتك التالية؟ إننا لا نتعلم من الآخرين، بل نحرقهم وقوداً لنار وحدتنا.
الحقيقة المظلمة هي أننا لم نتطور كي نصبح أسياد الأرض. نحن مجرد حشرات أكثر تعقيداً، نخترع أعذاراً كي نخفي أننا نعيش على بقايا غيرنا. الحشرة على الأقل صادقة، لا تدّعي أنها فيلسوفة أو مثقفة وهي تمص دماً، أما نحن فنكتب المقالات وننشر الدراسات لنغطي على أننا مجرد غربان تلتف حول جيفة لم تُدفن بعد.
انظر إلى نفسك: كم ساعة قضيت هذا الأسبوع في مراقبة الآخرين؟ كم مرة ضحكت على سقوط شخص ما؟ كم مرة ابتلعت خبراً عن مأساة وكأنك ابتلعت قطعة حلوى؟ كل دقيقة كانت قبراً جديداً لجزء منك. نحن لا نكبر بالعمر، نحن نصغر بالتلصص. نتحول ببطء إلى عيون خاوية، بلا روح، بلا معنى.
النهاية ليست بعيدة. الإنسان لن يُفنى بحرب نووية أو وباء قاتل، الإنسان سيفنى لأنه صار جثة تتغذى على جثث. سيأتي يوم لا يجد فيه ما يراقبه، لأن الجميع سيكونون قد التهموا بعضهم حتى العظم. عندها، ستنطفئ الشاشات، وسيبقى صدى واحد: عيون جوفاء تراقب فراغاً أعمق من قدرتها على الاحتمال.
وهكذا تُختتم المسرحية: لم يكن الإنسان كائناً عاقلاً، بل آخر حشرة اخترعت المرآة لتراقب ذاتها وهي تنهش نفسها حتى الموت.

