تمهيد
كثيرًا ما يلحظ المصلّون أن بعض الأئمة يجهرون بالبسملة في الصلاة الجهرية، بينما آخرين يسرّون بها أو لا يقرؤونها بصوت مسموع، مع أنها الآية الأولى من سورة الفاتحة بنصّ المصحف الشريف.
فما سبب هذا الاختلاف؟ وهل البسملة آية من الفاتحة أم افتتاح للفصل بين السور؟
في هذا المقال نعرض المسألة من جوانبها القرآنية واللغوية والفقهية، مع أقوال الأئمة الأربعة مرتّبة حسب أقدميتهم، ورأي الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، وبيان سبب ترقيمها في مصحف المدينة.
أولًا: الأصل القرآني
جاء في أوّل سورة الفاتحة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] وقد أُدرجت البسملة في جميع المصاحف برقمها، مما يدل على ثبوتها نصًا في السورة.
لكن موضع الخلاف كان: هل هي جزء من الفاتحة نفسها؟ أم آية للفصل بين السور؟
وهذا الخلاف هو الذي ترتّب عليه تباين القراءة بين الجهر والإسرار.
ثانيًا: من الناحية اللغوية والبيانية
الافتتاح بالبسملة يحمل معنى الاستعانة بالله، أي إعلان أن ما سيأتي بعدُ هو باسمه وبرعايته.
من نظر إلى هذا المعنى رآها افتتاحًا عامًا يُقال قبل كل عمل، ومن جعلها من السورة رآها جزءًا من نصّها المقروء.
ولذلك تفرّق أداء الأئمة بين الجهر والإسرار، تبعًا لتفسيرهم لوظيفتها في السورة.
ثالثًا: أقوال الأئمة الأربعة ومصادرهم
- الإمام أبو حنيفة النعمان (80–150هـ)
يرى أن البسملة آية من القرآن، ولكنها ليست من الفاتحة، وأنها أُنزلت للفصل بين السور، ولهذا تُقرأ سرًّا.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: «إنما أُثبتت البسملة للفصل بين السور، وليست من الفاتحة، فتُقرأ سرًّا في الصلاة الجهرية» (بدائع الصنائع، ج1، ص 107).
وقال السرخسي في المبسوط: «يقرؤها الإمام والمأموم سرًّا، لأنها ليست من الفاتحة، ولكنها آية للفصل» (المبسوط، ج1، ص 15).
- الإمام مالك بن أنس (93–179هـ)
يرى مالك أن البسملة ليست آية من الفاتحة، وإنما هي للفصل بين السور، ولذلك لا يجهر بها في الصلاة الجهرية.
قال في المدونة الكبرى: «لا يقرأ الإمام في المكتوبة ببسم الله الرحمن الرحيم، ويبدأ بالحمد لله ربّ العالمين» (المدونة الكبرى، ج1، ص 105).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في المعونة: «البسملة ليست آية من الفاتحة، ولا يجهر بها، بل يستفتح بالحمد لله ربّ العالمين» (المعونة، ص 46).
- الإمام محمد بن إدريس الشافعي (150–204هـ)
يرى الشافعي أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ويُستحب الجهر بها في الصلوات الجهرية. قال في الأم: «البسملة آية من فاتحة الكتاب، وآية من كل سورة، ويُجهر بها في الصلاة الجهرية» (الأم، ج1، ص 93).
وقال الإمام النووي في المجموع:
«مذهبنا وجوب قراءة الفاتحة بكل آياتها، ومن جملتها البسملة» (المجموع، ج3، ص 365).
- الإمام أحمد بن حنبل (164–241هـ)
يُجيز الوجهين؛ فيرى أن الجهر بها سنة غير لازمة، وأن السرّ بها جائز.
قال ابن قدامة في المغني: «عن أحمد روايتان: إحداهما أنه لا يجهر بها، والأخرى أنه يجهر بها أحيانًا، وكلاهما جائز» (المغني، ج1، ص 522).
وقال أيضًا:«من جهر بها فلا بأس، ومن أسرّ بها فلا بأس، لأن الأثر ورد بكلا الأمرين»
(المغني، الموضع نفسه).
رابعًا: ترجيح الشيخ ابن باز رحمه الله
قال الشيخ عبدالعزيز بن باز، مفتي عام المملكة العربية السعودية سابقًا:
الصواب أن البسملة ليست آية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور، ولكنها آية مستقلة أنزلها الله فصلًا بين السور، علامة على أن السورة التي قبلها انتهت، وأن التي بعدها سورة جديدة. وترقيمها في بعض المصاحف بأنها الأولى ليس بصواب، فالصواب أن أول الفاتحة هو قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وأما الجهر بها فالأولى عدم الجهر، لأن الثابت عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر أنهم كانوا يبدؤون بالحمدلة، لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. وإن جهر بها المصلّي أحيانًا من أجل التعليم أو البيان فلا بأس، لأن بعض الصحابة جهر بها أحيانًا.
وهذا القول يوافق ما عليه جمهور الحنابلة والمالكية والحنفية، في أن البسملة آية مستقلة للفصل بين السور، لا من الفاتحة، وأن الأفضل الإسرار بها في الصلوات الجهرية، والجهر بها أحيانًا جائز للتعليم أو البيان.
خامسًا: الاختلاف في الجهر بالبسملة وأين يقف فعل النبي ﷺ من ذلك
ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ البسملة في صلاته، لكن الرواة اختلفوا: هل كان يجهر بها أم يسرّ؟ فمنهم من روى عنه الجهر، كأبي هريرة رضي الله عنه حين قال: «صليت خلف النبي ﷺ فسمعته يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» ومنهم من روى الإسرار، كما في حديث أنس رضي الله عنه: «صليت خلف رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم».
واختلاف النقل هنا ليس في الفعل، بل في السماع؛ فمن سمعه جهرًا روى الجهر، ومن لم يسمعه روى الإسرار،
فقال العلماء: “اختلافهم اختلاف سماع لا اختلاف فعل”.
لهذا جمع الإمام أحمد بين الروايتين فقال: وفي هذا الجمع الحكيم يظهر أن النبي ﷺ فعل الأمرين: يجهر بها أحيانًا لتعليم الناس، ويُسرّ بها غالبًا اتباعًا لهديه في الخشوع.
فمن أراد أن يجهر بالبسملة اقتداءً بالنبي ﷺ فله ذلك، ومن أراد أن يُسرّ بها اقتداءً بالنبي ﷺ فله ذلك أيضًا.
وفي ما تقدّم، من أراد الإجهار بالبسملة فله ذلك، ومن أراد أن تكون سرًّا فله ذلك، لأن كليهما سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ.
سادسًا: لماذا تعدّها مطبعة الملك فهد آية من الفاتحة؟
مصحف المدينة المنوّرة الذي يصدر عن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف لا يتبع مذهبًا فقهيًا بعينه، وإنما يعتمد ما يُعرف بـ عدّ الآي الكوفي، وهو أحد أوجه العدّ السبعة المعروفة عند القرّاء.
في هذا العدّ تُعتبر البسملة آية من الفاتحة ليكتمل العدد سبعًا، كما في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87].
أما المالكية والحنفية والحنابلة فيعدّون الفاتحة سبع آيات دون البسملة، فيجعلون الآية الأخيرة مقسومة إلى اثنتين لتكتمل السبع.
إذن فالبسملة مكتوبة في كل المصاحف لأنها من الرسم القرآني الثابت بالنقل المتواتر، لكن الخلاف في هل تُعدّ آية من الفاتحة في العدّ، أم آية للفصل بين السور، وهذا لا يمسّ سلامة النص ولا ألفاظ القرآن، وإنما يدخل في باب علم العدّ والقراءات.
سابعًا: كيف تكون البسملة فاصلة والسورة الأولى لا سابقة لها؟
قد يُقال: كيف تكون البسملة فاصلة بين السور والفاتحة هي أول سورة في القرآن لا تسبقها أخرى؟ والجواب أن البسملة نزلت مع كل وحيٍ جديد لتكون علامة على بدايته، فهي من جهة التنزيل فاصل بين الوحيين، ومن جهة الفاتحة ابتداء بالوحي كله.
ففي أول المصحف لم تكن فاصلة بين سورتين، بل افتتاحًا للقرآن بأسره، كما افتتح الخلق باسم الله، وكما نادى الوحي أول مرة بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1].
فالبسملة في الفاتحة جمعت بين المعنيين:
⁃ فهي آية افتتاحية للكتاب كلّه،
⁃ وهي فاصلة بعد ذلك بين السور المتتابعة.
ولهذا قال بعض العلماء: هي آية نزلت للفصل بين السور، وآية لابتداء الوحي في أول الكتاب.
فوظيفتها في الفاتحة الافتتاح، ووظيفتها في ما بعدها الفصل.
تأمل في أول الوحي: ﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذي خَلَقَ﴾
لو تأمّلنا افتتاح الوحي بأمر الله تعالى لنبيّه ﷺ: ﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذي خَلَقَ﴾، نجد أن أول ما تضمنه الخطاب الإلهي هو القراءة باسم الله، لا بمجرد اللفظ المجرد.
فالقرآن إذن بدأ بالبسملة معنىً قبل أن تُنزل لفظًا، لأن الله أمر نبيَّه أن يقرأ باسمه، ثم أنزل إليه سورة الفاتحة لتكون أول ما يُتلى من الكتاب، وافتتحها بلفظٍ يحقق ذلك الأمر نفسه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ﴾.
فكأنّ الفاتحة جاءت تطبيقًا للوحي الأول، فالآية في العلق أمرت بالقراءة باسم الله، والفاتحة جاءت قراءةً باسم الله جهراً في افتتاح الصلاة والوحي معًا.
ومن هنا نفهم أن الجهر بالبسملة في الفاتحة ليس اجتهادًا صوتيًا، بل استحضارٌ لمعنى الوحي الأول، إذ قال تعالى لنبيّه: «اقرأ باسم ربك»،
فلبّى النبي ﷺ ذلك عمليًا حين جعل تلاوة الفاتحة — وهي أول سورة كاملة نزلت للعبادة — تبدأ باسم الله جهراً كما أُمر أول مرة.
ثامنًا: توفيق بين الرسم والعدّ
منهج مجمع الملك فهد هو الحفاظ على الرسم القرآني الواحد الذي أجمع عليه الصحابة، دون إلزام بمدرسة عدٍّ محددة في التفسير.
أما الشيخ ابن باز رحمه الله، فرأيه في العدّ فقهي اجتهادي يوافق مذهب الحنابلة في التفسير، لا في الرسم. وهكذا، لا تعارض بين المصحف المطبوع وبين فتواه، لأن كليهما يعتمد النص القرآني نفسه، وإنما يختلفان في التقسيم العددي فقط.
خاتمة
البسملة آية ثابتة في المصحف الكريم، ومحلّ إجماع من حيث النص والرسم، لكن اختلاف الأئمة في وظيفتها داخل السورة هو الذي أوجد تنوّع القراءة بين الجهر والإسرار.
ومن الحكمة أن يدرك المصلّي أن هذه التعدديّة الفقهيّة ثراء في الفهم لا تضادّ في الدين، وأن ما يجري على لسان الإمام في صلاته إنما هو اتباعٌ لمذهب معتبر، لا إغفالٌ لآية من كتاب الله.
أما أنا فأقرأها جهرًا في الفاتحة في الصلوات الجهرية، ولا أجهر بها عند افتتاح السور الأخرى.

