د.محمد العرب
السودان.. هذا البلد الذي كلما اقتربت منه شعرت أنك لا تزوره بل تعود إليه. ليس مجرد أرض عبرت إليها الطائرة، بل ذاكرة مفتوحة، ورائحة حنين كانت تنتظر لحظة أن تكتمل. حين هبطتُ في سماء السودان بعد سنوات طويلة، شعرت أن القلب يعود إلى حجمه الأول.. ذلك الحجم الذي يحتفظ ببراءة الأماكن التي أحببناها رغم المسافة ورغم الجراح. السودان بلدٌ حين تنظر في عيون أهله تدرك أنك أمام شعب لم تهزمه الحرب رغم تعبها، ولم تكسر إرادته رغم كثافة الظلال التي مرّت عليه. بلدٌ يعرف معنى الصبر، ويعرف أن الخوف مرحلة مؤقتة لكن الأمل هو الحقيقة التي تبقى.
وفي كل خطوة، كنت أرى يقيناً واحداً : لا مستقبل للسودان إلا بالسلام. السلام ليس شعاراً ولا بياناً سياسياً ، بل ضرورة وجودية. لقد أخذت الحرب من السودان ما يكفي؛ مدنٌ تغيّرت ملامحها، عائلات تشردت، اقتصاد استُنزف حتى آخر نبضة فيه، وأحلام صغيرة كانت تحاول البقاء رغم صلابة الأيام. لكن ما إن تتحدث مع سوداني واحد، في أي شارع أو مقهى أو مكتب أو سوق، حتى تفهم أن هذا الشعب لم يفقد إيمانه بالغد. وهذا الإيمان هو حجر الأساس الذي يمكن أن يُبنى عليه السلام الحقيقي.
السلام في السودان ليس خياراً مطروحاً على الطاولة، بل هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يحفظ الدولة، ويعيد اللحمة الوطنية، ويمنح الناس حق الحياة بكرامة. فالسودان بلد كبير، متعدد الأعراق والثقافات والمناطق، ولن تستقيم أركانه إلا حين تتوقف البنادق، وتعود الثقة بين أطراف المجتمع، ويُعاد بناء ما دمرته الحرب، ليس بالحجارة فقط بل بالنفوس التي تحتاج إلى ترميم لا يقل أهمية عن إعادة إعمار المدن.
ووسط كل هذا، يبقى الجيش السوداني هو الركيزة التي تُبنى عليها الدولة. ليس لأن الجيش مؤسسة عسكرية فقط، بل لأنه المؤسسة الوحيدة التي حافظت على وحدتها رغم العواصف، وبقيت الإطار الذي يجتمع حوله السودانيون عندما تتشقق بقية الجدران.
ومن يزور السودان اليوم يسمع عبارة تتكرر بلا تردد: نحن مع جيشنا ، هذا الانحياز الشعبي العفوي لا يأتي من فراغ؛ الجيش السوداني هو آخر جدار حقيقي يحمي البلاد من الانهيار، وهو القوة الوحيدة القادرة على حفظ الأمن ومنع التفكك وإيقاف تمدد الفوضى. دعم الجيش ليس موقفاً سياسياً ، بل موقف وطني وأخلاقي؛ لأن البلاد التي تفقد جيشها تفقد هيبتها وأمنها ووجودها. الجيش هو ضمانة السلام، وضمانة إعادة البناء، وضمانة أن السودان سيبقى دولة واحدة لا تُقصّ ولا تُجزّأ. وكل مشروع تنموي أو اقتصادي أو استثماري يحتاج أولًا إلى دولة مستقرّة، وهذه الدولة لا يمكن أن تُبنى في ظل فوضى السلاح أو غياب المؤسسة العسكرية.
وخلال زيارتي، لم تكن لافتة انتباهي فقط مشاعر الناس وأصواتهم، بل تلك الثروات الهائلة التي لم يُستثمر منها إلا القليل. إن السودان بلد غني إلى حدّ يمكن أن يجعله واحداً من أكبر الاقتصادات في إفريقيا لو وجد الاستقرار. أراضيه الزراعية من أخصب الأراضي في العالم، والمياه التي تجري فيه تكفي — لو أحسن استخدامها — لتكون قاعدة زراعية إقليمية تُغذي نصف القارة الإفريقية. يمتلك السودان ملايين الهكتارات الصالحة للزراعة، ومواسم يمكن التوسع فيها بطرق حديثة، وسلة محاصيل متنوعة يمكن أن تتحول إلى عملاق تصديري يغيّر وجه الاقتصاد السوداني بالكامل. وفي ثروات الحيوان، السودان غني بشكل استثنائي؛ ملايين الرؤوس من الإبل والأبقار والضأن، وأسواق يمكن تطويرها لتصبح ضمن أفضل سلاسل القيمة في المنطقة إذا تم دمج التقنيات الحديثة والإدارة الاحترافية.
أما التعدين فهو قصة أخرى. السودان يجلس فوق واحد من أكبر مخزونات الذهب في العالم، إضافة إلى نحاس وكروم ومعادن نادرة يمكن أن تصبح أساسًا لصناعات استراتيجية ضخمة. ومع وجود إدارة واضحة واستثمارات مسؤولة، يمكن لهذا القطاع أن يصبح رافعة اقتصادية تضاعف الناتج المحلي عدة مرات. كما أن السودان يملك ثروات طبيعية من النفط والغاز، بعضها مكتشف وبعضها ينتظر من يكتشفه، إلى جانب طاقة هائلة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يمكن أن تجعل السودان مركزاً للطاقة النظيفة في المنطقة. أضف إلى ذلك موقعه الجغرافي الذي يمنح السودان ميزة لا يمكن تجاهلها؛ فهو بوابة بين إفريقيا والعالم العربي، وممر تجاري يمكن أن يكون نقطة ارتكاز لوجستية كبرى، خاصة مع تطوير الموانئ وربطها بالطرق والسكك الحديدية.
إن ما يدهش الزائر ليس فقط حجم الثروات، بل بساطة المعوّق الوحيد: غياب السلام. كل ما يحتاجه السودان لكي ينهض هو بيئة مستقرة، وإطار أمني قوي، ويد تمتد إلى الناس بثقة بدلًا من الرصاص، وإيمان حقيقي بأن هذا البلد قادر على العودة أفضل مما كان. السلام ليس مطلبًا إنسانيًا فقط، بل هو مفتاح الاستثمار ومفتاح النمو ومفتاح كل فرصة اقتصادية. المستثمرون لا يهربون من الفقر، بل من الفوضى. والفرصة ليست في المال وحده، بل في بلدٍ يمكن أن يتغير مصيره بالكامل بمجرد أن يضع سلاحه أرضًا ويتجه إلى البناء.
والشعور الذي رافقني طوال الزيارة كان واضحاً : السودان لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى لحظة يقظة، إلى قرار جماعي بأن الحرب انتهت وأن البناء بدأ. يحتاج إلى وثيقة ثقة لا تُكتب على الورق بل على الأرض، عبر وقف إطلاق النار، وعودة النازحين، وإعادة مؤسسات الدولة إلى عملها، ودعم الجيش ليكون المظلة التي تستظل تحتها البلاد كلها. يحتاج إلى أن يؤمن الجميع أن لا أحد سيربح من استمرار الحرب، وأن الخسارة الوحيدة التي ستبقى هي خسارة الوطن.
تأكدت وانا اتجول في السودان وأنا هنا أحمل قناعة لا تتزحزح: هذا البلد يمكن أن يقف على قدميه خلال سنوات قليلة لو تحقق شرط واحد فقط.. السلام. سلام يعيد للإنسان بيته، وللمدينة روحها، وللدولة هيبتها، وللاقتصاد قدرته على النمو. سلام يجعل العالم يرى السودان كما هو: بلداً عظيماً ، غنياً ، كريماً ، مليئاً بالفرص التي تنتظر أن تُقطف. سلام يبدأ بدعم الجيش، ويمتد ليصل إلى آخر بيت في آخر قرية. سلام يعيد هذا البلد الطيب إلى مكانه الطبيعي.. بلداً يستحق الحياة، ويستحق أن يعود أجمل مما كان.

