د. تركي العيار
أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود
لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو تداول المعلومات؛ بل أصبح قوة فاعلة تعيد تشكيل الوعي الجماعي وترسم ملامح المستقبل. ففي عصر تتجاوز فيه نسبة انتشار الإنترنت في السعودية 99% ويصل عدد المستخدمين لمنصات التواصل إلى ما يقارب 34 مليون مستخدم، باتت الرسالة الإعلامية — مهما كان نوعها أو غرضها — قادرة على الوصول إلى المجتمع بأكمله خلال لحظات، وصار تأثيرها مضاعفًا على السلوك والاتجاهات والرؤى العامة. ما يحدث اليوم ليس فقط انتقالًا في طرق تلقي المعلومة، بل تحوّل جذري في طريقة تفكير الجمهور واتخاذه للقرارات.
أشارت الدراسات الحديثة، مثل تقرير Reuters Digital News Report 2024، إلى أن ثلثي الجمهور حول العالم يحصلون على الأخبار من المنصات الرقمية والشبكات الاجتماعية، بينما يعتمد الشباب على المحتوى المرئي القصير كمصدر رئيسي للمعلومات. وهذا التحول يجعل الإعلام الرقمي لاعبًا مركزيًا في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي، خاصة أن الخوارزميات لا تُظهر للجمهور كل شيء، بل ما تعتقد أنه يثير اهتمامه، وبالتالي يصبح تشكيل الوعي عملية مشتركة بين الإنسان والآلة.
هذا الواقع يدعم نظرية “تحديد الأجندة” التي تؤكد أن الإعلام لا يخبر الناس بما يجب أن يفكروا فيه، لكنه يحدد لهم ما الذي يستحق التفكير.فتأثير الإعلام يظهر بوضوح في القضايا العامة، التفاعل الاجتماعي، أنماط الاستهلاك، وحتى القرارات السياسية. وقد أثبتت دراسات عديدة أن تكرار الرسائل الإعلامية وتوافقها عبر منصات متعددة يخلق “اتجاهًا عامًا” يصعب تجاهله. كما كشفت بحوث أكاديمية أن الإعلام قادر على التأثير في خيارات الشباب التعليمية والمهنية من خلال نماذج السلوك التي يعرضها وصور النجاح التي يبرزها. وفي المقابل، يظهر أثره السلبي من خلال المعلومات المضللة، إذ أشارت تقارير عالمية إلى أن نحو 30% من المستخدمين يتعرضون بانتظام لمحتوى غير موثوق، ما يجعل الوعي الإعلامي حاجة وطنية وليست مجرد مهارة إضافية. ومع تعاظم التأثير، تتعاظم المسؤولية.
فالإعلام اليوم هو شريك في التنمية، وركيزة في تشكيل شخصية المجتمع، وقوة في صناعة الوعي الإيجابي إذا حُسن استخدامه. يمكن للإعلام أن يعزز السلوك الحضاري، ويدعم التحول الاقتصادي، ويزيد من الوعي الصحي، ويسهم في بناء مجتمع رقمي متماسك، لكنه قادر أيضًا — إن غابت المهنية — على إرباك الرأي العام وخلق تصورات مضللة.
ولهذا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعلام مسؤول يوازن بين الحرية والانضباط، وإلى مؤسسات قادرة على إنتاج محتوى مهني يدعم الحقيقة، وإلى تعزيز الوعي الإعلامي لدى الجمهور ليصبح جزءًا واعيًا من عملية التلقي والفهم. إن المستقبل الذي نصنعه اليوم يمر عبر الكلمة والصورة والمشهد الرقمي. والإعلام، بكل أشكاله، لم يعد مرآة المجتمع فحسب، بل محركًا رئيسيًا لتوجهاته. وما لم تُبنَ صناعة الإعلام على أسس معرفية ومهنية راسخة، فقد نصنع مستقبلًا مشوشًا بدل مستقبل مزدهر. في عالم يتغير بسرعة الضوء، يبقى الإعلام حجر الأساس في توجيه العقول، وتشكيل الوعي، وصناعة الغد الذي نتمناه.

