بقلم: نهر عبد الوهاب حريري
باحثة دكتوراة بجامعة الملك سعود
في اليوم العالمي للتلفزيون، 21 نوفمبر، تعرض القناة السعودية فيلم «سليمان الناس»، وكأنها تهمس بأن بعض الأصوات لا تُنسى، وأن هناك حكايات ما زالت تستحق أن تعود إلى الضوء من جديد.
لم يأتِ عرض هذا الفيلم اعتباطًا. فالتلفزيون، الذي تصفه الأمم المتحدة بأنه وسيلة لبناء الوعي وتعزيز التبادل الثقافي، يستعيد هنا وظيفته الأساسية؛ وظيفة تُعيد الناس إلى رواية مشتركة، وإلى شخصية ظلّت جزءًا من الصوت السعودي لعقود. سليمان العيسى لم يكن مذيعًا عابرًا، بل علامة زمنية ثابتة وسط تحوّلات كثيرة، وصوتًا يمنح السامع طمأنينة قبل أن يمنحه المعلومة، وإحساسًا بالثقة قبل أن تكتمل الجملة على الهواء.
كان حضوره الهادئ نوعًا من التربية البصرية. إيقاع صوته، احترامه للكلمة، طريقته في مخاطبة الناس بلا ضجيج… كلها جعلته جزءًا من صورة الإعلام السعودي وهو يتشكل وينضج. من نشرات الأخبار الرسمية، إلى برنامجه «مع الناس» الذي رافق البيوت خمسة وعشرين عامًا، تشكّلت شخصية إعلامية لم تكن تبحث عن نفسها بقدر ما كانت تبحث عن الحقيقة.
الفيلم يقدّم سليمان العيسى كما كان، بلا تجميل ولا إعادة صياغة. كما لو أن الوثائقي يوازن بين الحضور المهني والانحياز الإنساني في آن واحد. وكلمة سلمان الدوسري: «فيلم يشبه بطله… بسيط، عميق، صادق» ليست وصفًا جماليًا بقدر ما هي شهادة على روح العمل؛ وثائقي يترك الشخصية تتكلم عن نفسها، دون أن تُفرض عليها قراءة أو أسطورة.
اللافت في الفيلم هو شهادات الذين عرفوه. سياسيون، إعلاميون، مقرّبون وعائلة. كل شهادة كانت تكشف جانبًا بقي طويلًا خلف الكاميرا: ذلك الهدوء الصبور، تلك الدقة التي لا تفلت منها التفاصيل، وذلك الإحساس العالي بالمسؤولية تجاه كل كلمة تُقال في نشرةٍ لا يتسع فيها الخطأ.
هذا العمل ليس مجرد استعادة لسيرة إعلامي، بل استعادة لفلسفة في المهنة كانت تقوم على الاحترام، والصدق، والالتزام الأخلاقي. وكأن الفيلم يذكّرنا بأن الإعلام ليس منصة للتزيين السريع، ولا سباقًا للفت الانتباه، بل مسؤولية عامة تُمارس بضمير حي.
اختيار «المركز الوثائقي» إنتاج الفيلم ضمن سلسلة عام 2025 يبدو خطوة تؤكّد وعيًا مؤسساتيًا جديدًا؛ وعيًا بأن الذاكرة الإعلامية ليست ترفًا، وأن حفظ التجربة جزء من تطويرها. فالمهنة التي لا تؤرّخ لرموزها، تفقد شيئًا من جذورها كل يوم.
العودة إلى سليمان العيسى، إذن، ليست حنينًا. إنها محاولة لاستعادة «الأصل» في زمن كثرت فيه النسخ. محاولة لتذكير الأجيال الجديدة بأن الإعلام، مهما تغيّر، لا يستطيع أن ينفصل عن ضميره، وأن الصوت الذي يبقى ليس الأعلى، بل الأصدق.
ولذلك يبدو الفيلم وكأنه لا يودّع سليمان العيسى، بل يضعه مرة أخرى في مكانه الطبيعي: في ذاكرة الناس، في وجدان المجتمع، وفي الصورة التي أحبها وأخلص لها. يعيده إلى تلك المساحة التي تستقر فيها الأصوات الحقيقية… الأصوات التي لا تغيب، بل تستريح قليلًا وتعود كما هي: شفافة، ثابتة، وهادئة بقدر الحكمة التي تحملها.
«سليمان الناس» ليس مجرد وثائقي.
إنه تذكير بأن بعض الأصوات لا تُصنع… بل تُولد صادقة، وتبقى كذلك مهما تغيّرت الشاشات.

