لم يكن فجر التاسع عشر من مايو لعام 2023 يومًا عاديًا في جزيرة سانت هيلينا بولاية كارولاينا الجنوبية في الولايات المتحدة، بل كان شاهدًا على واحدة من أبشع الجرائم التي تجردت فيها امرأة من أسمى معاني الأمومة لتحل محلها قسوة لا يدركها عقل.
جيمي ميشيل برادلي برون، تلك المرأة الأربعينية التي كان من المفترض أن تكون الحصن المنيع لصغيراتها، قررت في لحظة غادرة أن تحول طقوس الاستحمام الصباحية إلى رحلة أخيرة نحو الموت، في جريمة هزت أركان المجتمع الأمريكي وصدمت وجدان كل من سمع بتفاصيلها المروعة التي كُشف عنها الستار أخيرًا في قاعة المحكمة.
طقوس الغرق المتعمد
بدأت المأساة حين تسللت جيمي إلى غرفة طفلتها مكاي، التي لم تكن قد تجاوزت ربيعها السادس، وأيقظتها من نومها الهادئ لتطلب منها تجريد نفسها من ملابسها والتوجه نحو حوض الاستحمام. لم تكن الطفلة تدرك أن هذه هي المرة الأخيرة التي ستلمس فيها قدماها الأرض، حيث أمرتها أمها بالجثو على ركبتيها داخل الحوض المليء بالماء.
وفي مشهد يحبس الأنفاس، انقضت الأم على طفلتها، وقبضت بيديها على شعرها بقوة، دافعة برأسها الصغير تحت الماء.
ورغم المقاومة اليائسة التي أبدتها مكاي في محاولة للتمسك بالحياة، إلا أن قبضة الأم كانت أقوى، وظلت محتجزة لها تحت الماء حتى سكنت حركتها تمامًا وانقطعت أنفاسها.
وبكل برود يقشعر له البدن، قامت جيمي بإخراج جثة ابنتها الهامدة، وألبستها “فستان الجنازة” الذي أعدته مسبقاً، ثم وضعتها على السرير وكأنها في مراسم وداع أخيرة خططت لها بدقة متناهية.
المقاومة الشرسة
لم يكتفِ هذا الوحش البشري بما اقترفه بحق مكاي، بل توجهت جيمي وعيناها تلمعان بغدر الدماء نحو ابنتها الثانية البالغة من العمر ثماني سنوات.
أيقظتها وحاولت تكرار السيناريو المرعب ذاته، جارةً إياها نحو حوض الموت الذي ما زال شاهداً على أنفاس أختها الأخيرة.
لكن القدر كان يخبئ للطفلة الوسطى فرصة أخرى؛ فقد قاومت الصغيرة بكل ما تملك من قوة، ورفضت الاستسلام لقبضة أمها، وتعالت صرخاتها التي مزقت سكون المنزل.
تلك الصرخات كانت طوق النجاة، إذ استيقظت الابنة الكبرى على صوت الاستغاثة، وهبت لنجدة شقيقتها في اللحظات الأخيرة.
وبشجاعة نادرة، استطاعت الابنة الكبرى التصدي للأم ومنعها من إتمام جريمتها الثانية، لتسحب شقيقتها وتفرا معاً خارج المنزل، مطلقتين صرخات النجاة والطلب للنجدة من العالم الخارجي.
عدالة بوفورت
في الثامن عشر من ديسمبر لعام 2025، وقفت جيمي ميشيل برادلي برون أمام القاضي مارفين دوكس في محكمة بوفورت لتواجه مصيرها المحتوم.
وحاول الدفاع التذرع بإدمان الكحول أو الأزمات النفسية، إلا أن نائبة المدعي العام، ماري جونز، كانت حازمة في ردها، مؤكدة أن هذه الجريمة لم تكن نتاج أزمة عابرة، بل كانت فعلًا مخططًا له بسبق الإصرار والترصد.
وأوضحت جونز أن المتهمة كانت بكامل قواها العقلية وتدرك تمامًا ما تفعله، وأن محاولاتها لإلقاء اللوم على ظروفها هي مجرد تبريرات واهية لا يقبلها القانون.
وأشادت المدعية العامة بشجاعة الابنة الكبرى التي أنقذت حياة شقيقتها من موت محقق، واصفةً إياها بالبطلة التي منعت وقوع مجزرة أكبر.
خمسون عامًا من القيد
أمام هذه الحقائق الدامغة والاعتراف الصريح بالذنب في تهمتي القتل العمد ومحاولة القتل، أصدر القاضي دوكس حكماً تاريخياً يعكس فداحة الجرم.
وقد حُكم على جيمي بالسجن لمدة 50 عامًا عن جريمة قتل طفلتها مكاي، بالإضافة إلى 30 عامًا عن محاولة قتل ابنتها الأخرى، على أن يتم تنفيذ العقوبتين في وقت واحد (بالتزامن).
هذا الحكم الذي جاء بجهود وحدة الملاحقة الجنائية للمجرمين العنيفين، يضع نهاية لقصة سيدة خانت أقدس الروابط البشرية، لتظل خلف القضبان لعقود طويلة، بينما تبقى ذكرى الطفلة مكاي وفستان جنازتها المبلل وصمة عار تلاحق الأم التي استبدلت القبلات بخنق الأنفاس تحت الماء.

