د. سعود النداح
يشتكي كثير من الناس اليوم من أمر واحد رغم اختلاف حياتهم وأعمارهم: الوقت لا يكفي.
اليوم يمر سريعًا، الأسبوع ينتهي دون إنجاز، والشهر يُطوى وكأننا لم نفعل شيئًا يُذكر.
السؤال هنا ليس عن قلة الساعات، فالوقت لم يتغير، السؤال عن طريقة استهلاكه.
في السابق كان الوقت موزعًا بشكل أوضح، للعمل وقت، وللبيت وقت، وللناس وقت، وللراحة وقت، أما اليوم، فقد تداخلت الأوقات حتى فقدنا الإحساس بها.
نعمل ونحن نفكر في أمور أخرى، ونجلس مع أهلنا وأعيننا على الشاشات، ونحاول أن نرتاح ونحن محاطون بالضجيج، كثيرون يعلّقون هذا التغيير على ما بعد جائحة كورونا، لكن لا تتهموا كورونا بعدم إحساسنا بالوقت. الذي تغيّر فعلًا هو ترتيب أولوياتنا.
انشغلنا بأمور كثيرة لا تستحق، ووزّعنا وقتنا على تفاصيل مرهقة بلا قيمة حقيقية.
التقنية لم تسرق الوقت كما نعتقد، هي جعلت الوصول لكل شيء أسهل، فصارت المهام تتكاثر، والمطالب لا تنتهي، والتوقعات أعلى من قدرتنا الواقعية.
أصبح الإنسان مشغولاً طوال اليوم، ومع ذلك يشعر أنه لم ينجز ما يستحق.
جزء من الوقت يضيع في التشتت، وجزء آخر في المقارنة، وجزء ثالث في الانشغال بأمور لا تضيف قيمة حقيقية.
ومع هذا التوزع، يفقد الوقت معناه، ويتحول إلى سباق بلا خط نهاية.
المشكلة ليست في كثرة المسؤوليات فقط، هي في غياب الوعي بما يستحق وقتنا فعلًا. ليس كل ما يطلب انتباهنا مهماً، وليس كل ما هو عاجل يستحق أن يكون أولوية.
حين نعيد ترتيب ما يستحق وقتنا فعلًا، سنرى الفرق بوضوح وسنلاحظ أن أيامنا أصبحت أهدأ، وأن إنجازنا صار أوضح، وأن الوقت عاد ليأخذ شكله الطبيعي.
الوقت لا ينقص، لكن قدرتنا على إدارته تضعف حين نعيش بلا ترتيب واضح.
والسؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا كل يوم هو: أين ذهب وقتي اليوم، وهل عاد عليّ بشيء؟

