لم تكن رحلة المهاجم الإنجليزي إيفان توني إلى القمة مفروشة بالورود، بل تشكّلت ملامحها من قصة كفاح حقيقية بدأت في الدرجات الدنيا لكرة القدم الإنجليزية، قبل أن تنتهي به اليوم كأحد أبرز المهاجمين في الساحة العالمية. توني، المولود في مارس 1996، لم يعد مجرد اسم عابر في قوائم الفرق، بل تحوّل إلى “الرقم الصعب” في هجوم النادي الأهلي السعودي، وأحد الأسماء التي تركت بصمتها مع المنتخب الإنجليزي.
استهل توني مسيرته مع نورثامبتون تاون، ثم انتقل إلى نيوكاسل يونايتد، غير أن فترته هناك لم تشهد استقرارًا، إذ تنقّل معارًا بين عدة أندية بحثًا عن فرصته الحقيقية. تلك الفرصة جاءت عبر بوابة برينتفورد، حيث شكّل نقطة التحول الأهم في مسيرته. هناك، لم يكتفِ بالتألق فرديًا، بل قاد الفريق للصعود إلى الدوري الإنجليزي الممتاز. وفي “البريميرليغ”، أثبت أنه مهاجم من طراز خاص، يمتلك حسًا تهديفيًا عاليًا وجرأة أمام المرمى، مسجلًا أهدافًا حاسمة في شباك كبار الأندية، الأمر الذي لفت أنظار مدرب المنتخب الإنجليزي، غاريث ساوثغيت، الذي منحه فرصة تمثيل “الأسود الثلاثة”.
في صيف 2024، تحوّلت الأنظار إلى مدينة جدة بعد تعاقد الأهلي مع توني في صفقة ضخمة قُدّرت بأكثر من 40 مليون يورو. لم يحتج اللاعب إلى وقت طويل للتأقلم، بل سرعان ما أصبح محور القوة الهجومية للفريق، و”التميمة” التي تعوّل عليها الجماهير في حسم المباريات.
ومع حلول موسم 2025/2026، واصل توني تألقه اللافت، حيث تصدّر ترتيب هدافي دوري روشن السعودي حتى نهاية شهر يناير الجاري، كما سجل عدة ثلاثيات بارزة، من بينها هاتريك أمام الاتفاق، وأخرى في مواجهات قوية ضد الخليج والهلال. ولم يقتصر تأثيره على الأرقام الفردية، بل انعكس حضوره على أداء الفريق جماعيًا، مساهمًا في إبقاء الأهلي ضمن دائرة المنافسة على لقب الدوري، إلى جانب حضوره القوي في دوري أبطال آسيا للنخبة.
شهدت الملاعب السعودية تحولات كبيرة في السنوات الأخيرة، إلا أن ما يقدمه توني بعد فترة التوقف الأخيرة تجاوز التوقعات. بدا وكأنه نسخة أكثر شراسة وتركيزًا؛ مهاجم لا يكتفي بالمشاركة، بل يفرض حضوره تهديفيًا بشكل مستمر، مؤكدًا أنه أحد أخطر المهاجمين الذين مرّوا على تاريخ النادي الأهلي في العصر الحديث.
أحد أبرز أسلحة توني يتمثل في قدرته الاستثنائية على تنفيذ ركلات الجزاء. ففي مواقف ينهار فيها كثير من النجوم تحت الضغط، يظهر هو بثبات انفعالي لافت، وثقة عالية تجعل ركلة الجزاء تبدو وكأنها إجراء روتيني. طريقته في التنفيذ، وتنوع أساليبه، وهدوءه
لسنوات طويلة، ظلت الجماهير الأهلاوية تتساءل عن اللاعب القادر على ملء الفراغ الذي تركه الأسطورة عمر السومة، الهداف الذي كتب تاريخًا كبيرًا في قلعة الكؤوس. واليوم، جاء الإنجليزي إيفان توني ليكون “العوض” الحقيقي، بعد أن أثبت قدرته على حمل عبء الرقم 9 بكل جدارة.
كما كان السومة يبث الرعب في قلوب المدافعين، جاء توني ليعيد هيبة خط الهجوم، مقدّمًا الأداء القوي والقدرة على تحويل أي فرصة إلى هدف. الأهلي وجد أخيرًا ذلك “القناص الخارق” الذي لا يترك نصف فرصة تفوّت، ويحمل على عاتقه إرث الهدافين الكبار، ليعيد الفريق إلى صدارة المنافسة ويضفي بريقًا جديدًا على المناطق الأمامية.
وجود توني في الأهلي ليس مجرد إضافة هجومية، بل هو خطوة استراتيجية لإعادة الثقة والفعالية إلى خط الهجوم، وضمان استمرار النادي في تقديم كرة قدم تنافسية وقوية، كما اعتاد عشاقه عبر التاريخ.

