د. محمد العرب
هناك أمسيات لا تُسجَّل في الذاكرة بوصفها لقاءً عابراً ، بل تُحفر كعلامةٍ داخلية، كأنها لحظة التقى فيها العقل بذاته عبر الآخرين على هامش المنتدى السعودي للإعلام ، وفي تلك الأمسية التي جمعتني بالمفكر العراقي الكبير عبد الحسين شعبان، وبالكاتب والإعلامي الكويتي نجم عبدالكريم، لم أشعر أنني أجلس أمام شخصين يتحدثان، بل أمام تجربتين تتكلمان باسم المعنى.
كنت أصغي، لا بوصف الإصغاء مجاملة، بل بوصفه تحليلاً داخلياً ، كنت أراقب كيف تتحرك الفكرة حين تخرج من فم رجلٍ عاشها، وكيف تصبح النصيحة أكثر من نصيحة، حين تأتي من شخص لا يبيع الحكمة بل يحملها كعبءٍ نبيل.
عبد الحسين شعبان ليس مجرد اسم في الفكر العربي، بل هو من أولئك الذين لا يتحدثون ليُقنعوا، بل ليُعيدوا ترتيب الإنسان داخل العالم. في نبرته شيء من الهدوء الذي لا يعني البرود، بل يعني الثقة بأن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ. كان يتكلم عن الحرية، عن الدولة، عن الحقوق، لكنني لم أسمعها كمصطلحات سياسية، بل كأسئلة وجودية: ماذا يبقى من الإنسان حين يتحول إلى رقم؟ وماذا يبقى من الوطن حين يفقد ضميره؟
كنت أستمع إليه وأشعر أن الرجل لا يدافع عن فكرة بقدر ما يدافع عن الكائن البشري نفسه. وكأن مشروعه العميق ليس كتابة الكتب، بل منع القسوة من أن تصبح طبيعة. في حضوره تتجسد الحكمة حين تتحول إلى مسؤولية، لا إلى زينة لغوية.
أما نجم عبدالكريم وما ادراك من نجم عبدالكريم ، فقد كان الوجه الآخر للمعنى، ذلك الذي لا يأتي من الأكاديمية الثقيلة، بل من الحس الثقافي الحي، من قدرة الكاتب على أن يلتقط نبض الناس دون أن يفقد عمقه. كان حديثه أشبه بضوءٍ هادئ، لا يجرح العين لكنه يكشف التفاصيل. تكلم عن الكلمة حين تصبح أمانة، وعن الإعلام حين ينجو من الاستهلاك ويستعيد شرف الرسالة.
في صوته شيء من التوازن الفكري ، حيث الحكمة لا تُقال بحدة، بل تُقال بثقة ناعمة، وكأنها تصل إلى القلب قبل أن تصل إلى العقل. كان يذكّرني بأن الثقافة ليست برجاً مغلقاً ، بل جسر، وأن الإنسان العربي لا يحتاج مزيداً من الضجيج، بل يحتاج مزيداً من الفهم والاستيعاب.
وأنا بينهما، لم أكن مجرد مستمع. كنت أراجع نفسي. كنت أستعيد سنواتي الطويلة في الميدان، في الحروب، في صخب العالم، وأرى فجأة أن بعض الجلسات الهادئة قد تكون أكثر تأثيراً من ألف معركة. كنت أقول في داخلي: هكذا إذن يُصنع العمق.. ليس بالصوت العالي، بل بالصدق العالي.
شعبان كان يمثل ضمير الفكرة، ذلك النوع من المفكرين الذين يجعلونك تحترم الفكر لأنه أخلاق. ونجم كان يمثل روح الكلمة، ذلك النوع من الكتّاب الذين يجعلونك تحب اللغة لأنها حياة. وبين الضمير والروح، شعرت أنني أعيش لحظة عربية صافية، لحظة تلتقي فيها التجارب بدل أن تتصارع، وتتجاور فيها المدارس بدل أن تتناحر.
لم يكن اللقاء استعراضاً للأسماء، بل كان درساً في التواضع المعرفي. فهناك رجال حين يجلسون، تشعر أن التاريخ يجلس معهم بصمت. وحين يتحدثون، لا تسمع كلمات فقط، بل تسمع أعماراً كاملة تتحول إلى خلاصة.
خرجت من تلك الأمسية وأنا أكثر هدوءاً ، وأكثر يقيناً بأن الأمة التي لا تزال تنجب مفكراً كعبد الحسين شعبان، وكاتباً كـنجم عبدالكريم، ليست أمةً انتهت.. بل أمة تبحث عن صوتها الحقيقي وسط الركام.
أكتب هذه الكلمات لا كمجاملة، بل كشهادة. لأن بعض اللقاءات لا تمرّ، وبعض الرجال لا يُختصرون في تعريف، بل يُختصرون في أثر. كانت أمسية قصيرة في الزمن، لكنها طويلة في المعنى. شعبان.. ونجم.. وكان الإصغاء بينهما وطناً ثالثاً

