د. سعود النداح
لم يكن الإنسان في يومٍ ما قلقًا من أن يكون عاديًا.
كان يكفيه أن يعيش حياته، يؤدي دوره، ويشعر أنه جزء من هذا العالم من حوله.
العادية لم تكن تُرى نقصًا في الإنسان إنما علامة اتزان وطمأنينة.
لكن الأمور تغيّرت في وقتنا، أصبح الإنسان يتوجس من أن يُنظر إليه كشخص عادي، كأن قيمته باتت مرتبطة بمدى تميزه، أو بما يقدمه من إنجازات قابلة للعرض، أو بحضور دائم يفرض نفسه على المشهد.
هذا التحول تشكّل مع الوقت، ومع تزايد المقارنات، وفي بيئة تحتفي باللافت وتمنح الضوء للمختلف، وأصبح ملاحظًا أن الإنسان يقيس نفسه بما يراه حوله أكثر مما يقيسها بما يشعر به في داخله.
ومع اتساع هذا المشهد، اتسعت مساحة المقارنة.
نرى نماذج متعددة للنجاح والتأثير، فنميل للاعتقاد بأن علينا أن نكون استثنائيين دائمًا، وأن العادية تعني التراجع أو الغياب.
لكن ما يغيب عن الانتباه، أن الحياة لا تقوم على الاستثنائيين وحدهم.
الاستقرار الذي نعيشه، والعلاقات التي نستند إليها، والأدوار التي تحفظ تماسك المجتمع، يقوم بها أشخاص قد يبدون عاديين بينما أثرهم عميق.
الخوف من العادية لا يأتي من حقيقتها، إنما من الصورة التي رسمناها عنها، فالإنسان قد يعيش حياة هادئة، بعيدة عن الضجيج والاستعراض، ومع ذلك يكون أكثر اكتمالًا واتزانًا من آخرين يطاردون التميّز بلا توقف.
المسألة ليست في التخلي عن الطموح، ولا في الرضا بالركود، إنما في إدراك أن القيمة لا تُبنى دائمًا على الاختلاف، وأن الحضور الحقيقي لا يحتاج صخبًا ليُرى.
فالحياة لا تُختصر في مشهد، ولا تُقاس بما يظهر على السطح، إنما تُعرف بصدق التجربة التي يعيشها الإنسان في داخله.
وحين يدرك ذلك، لن ينشغل إن بدا عاديًا، سينشغل فقط بأن يكون حقيقيًا.

