في ليلة الثالث والعشرين من ديسمبر 2023، وقبل ساعات قليلة من دقات أجراس عيد الميلاد، تحولت مدينة “فريندزوود” الهادئة بولاية تكساس الأمريكية إلى مسرح لفيلم رعب واقعي، حين مزقت أضواء سيارات الشرطة سكون الحي الراقي استجابة لبلاغ غامض عن إطلاق نار.
على الرصيف البارد خارج أحد المنازل، وثقت كاميرا الجسم الخاصة بأحد الضباط اللحظات الأولى للصدمة، حيث كان المراهق “كونور هيلتون”، البالغ من العمر 17 عامًا، يجلس منهارًا وهو يردد عبارة واحدة هزت وجدان الضابط: “لقد أفسدت الأمر تمامًا.. أفسدت الأمر بشدة”.
حين سأله الشرطي عما إذا كان هناك مصابون، أومأ برأسه ورفع إصبعين من يده المرتجفة، مشيرًا إلى جثتي صديقيه في الممر داخل المنزل.

دقيقتان من الجحيم
اندفع رجال الشرطة الأمريكية إلى الداخل ليصدموا بمشهد يفوق الاحتمال، كما ينقل تقرير شبكة CBS News، حيث وجدوا “إيثان رايلي” (18 عامًا) و”بنجامين بليك” (19 عامًا) ملقيين على الأرض والدماء تنزف بغزارة من رأسيهما إثر إصابات مباشرة بطلق ناري.
حينها، لاحظ المسعفون علامات حياة خافتة تدب في جسديهما فبدأوا محاولات الإنقاذ المستحيلة وسط بركة الدماء. وفي تلك الأثناء، تناهى إلى مسامع الضباط صوت مرتجف قادم من حمام مغلق، ليكتشفوا الناجي الوحيد، وهو مراهق يبلغ من العمر 15 عامًا كان قد اتصل بالطوارئ.
خرج المراهق الناجي إليهم متكئًا على عكازات ليروي تفاصيل دقيقتين من الجحيم، مؤكدًا أنهم لم يكدوا يدخلون المنزل حتى سمع طلقتين مدويتين تلاهما صمت مطبق، ثم سمع صراخ كونور الهستيري وهو يسأل نفسه “ماذا فعلت؟”، مضيفًا أنه نجا من الموت المحقق فقط لأنه أغلق باب الحمام بالمفتاح.

اعترافات منتصف الليل: “القتل يثيرني”
بينما نُقل الضحايا للمستشفى في حالة حرجة، اقتيد “كونور” مكبل اليدين ومغطى بأكياس ورقية لحفظ الأدلة إلى قسم شرطة “فريندزوود”، حيث بدأ رحلة من المراوغة في غرفة التحقيق، مدعيًا في البداية أن “إيثان” حاول خنقه فأطلق النار دفاعًا عن النفس، ثم غير روايته ليزعم أن السلاح انطلق بالخطأ لأن “إصبعه الغبي كان على الزناد”.
لكن المحقق “نيك ماكانليس” حاصره بحقيقة استحالة إصابة شخصين في الرأس عن طريق الخطأ.
أمام هذا الضغط، انهار كونور وكشف عن الوجه الشيطاني للمأساة، معترفًا للمحققين بأن لديه أفكارًا انتحارية ورغبة ملحة في القتل تسيطر عليه منذ فترة، قائلًا ببرود مرعب: “أعلم أن هذا يبدو سيكوباتيًا، لكن فكرة القتل تثير اهتمامي للغاية”.
أقر المراهق القاتل بأنه أقنع والدته بشراء المسدس له لتنفيذ مخطط أعد له طويلًا دون تحديد ضحايا بعينهم، وأن “إيثان” و”بن” كانا مجرد ضحيتين للحظ العاثر بوجودهما تلك الليلة.

شيطان في كبسولة دواء
في يوم عيد الميلاد، أسلم “إيثان رايلي” الروح متأثرًا بجراحه، بينما نجا “بنجامين بليك” بأعجوبة طبية بعد خضوعه لجراحات معقدة أزيلت فيها أجزاء من جمجمته، ليعيش بشلل نصفي وفقدان للذاكرة حول لحظة الحادث، ولم يدرك حقيقة ما جرى إلا لاحقًا عبر خبر قرأه مصادفة.
مع اقتراب موعد المحاكمة في عام 2025، فجر فريق الدفاع عن كونور مفاجأة قانونية من العيار الثقيل بمحاولة تبرئته من المسؤولية العقلية، مستندين إلى نظرية طبية تزعم أن دواء “أكيوتان” (Isotretinoin) لعلاج حب الشباب الذي كان يتناوله المتهم هو “الشيطان” الحقيقي وراء الجريمة.
استعان الدفاع بخبير الطب النفسي “د. دوغ بريمنر”، الذي جادل أمام القضاء بأن الدواء تسبب في “ذهان” للمراهق، خاصةً أنه تناول ضعف الجرعة المقررة (4 حبات) يوم الجريمة، مشيرًا إلى أن صور الأشعة تظهر انخفاض نشاط الفص الجبهي المسؤول عن التحكم بالانفعالات لدى متعاطي هذا العقار.
لكن الادعاء العام في تكساس، ممثلًا في المدعية “كايلا ألين”، سحق هذه النظرية ووصفت المتهم بأنه “شرير وليس مريضًا”، مستعرضةً أدلة دامغة تثبت التخطيط المسبق والوعي الكامل، منها سجل بحثه الإلكتروني عن مقاطع القتل، ومنشور له قبل ساعات من الجريمة يتضمن كلمات أغنية تقول “القتل ممتع للغاية”.

“توقف عن النحيب”.. المواجهة الدامية
قبل أسبوعين فقط من المحاكمة، ولتجنب عقوبة السجن مدى الحياة التي كانت تلوح في الأفق، قبل كونور في الثاني من سبتمبر 2025 صفقة مع الادعاء تقضي بسجنه لمدة 50 عامًا بتهمة القتل والاعتداء الجسيم، مع التنازل عن حق الاستئناف.
شهدت قاعة المحكمة مواجهة عاطفية حادة حبست أنفاس الحاضرين، حين وقف الناجي “بنجامين بليك” موجهًا حديثه لقاتل صديقه الذي كان يبكي في القفص قائلًا بحدة: “أولًا، توقف عن النحيب.. أنت فعلت هذا بنفسك ولن أسامحك أبدًا”، بينما شنت والدة بن هجومًا لاذعًا على والدة كونور، متهمةً إياها بالإهمال الجسيم لشرائها سلاحًا لابنها المراهق قائلة لها “عارٌ عليكِ”.

واليوم، يقبع كونور هيلتون في سجن مقاطعة جالفيستون بولاية تكساس، حيث لن يرى النور قبل عام 2050 حين يبلغ الثالثة والأربعين، بينما يواصل الناجي “بن” رحلة شاقة من العلاج الطبيعي ومحاولة لعب “البيكل بول” لاستعادة حركته، متمسكًا بالأمل في استعادة حياته التي كادت أن تنهيها “حبة دواء” أو “رصاصة غدر” في ليلة أمريكية دامية لن ينساها تاريخ تكساس.

