نجح فريق دولي من الفيزيائيين في إعادة خلق الظروف الدقيقة لأول مللي ثانية بعد الانفجار العظيم، كاشفين عن أدلة مادية ملموسة تؤكد أن الكون في لحظاته الأولى لم يكن غازًا من الجسيمات المتناثرة كما كان يُعتقد، بل كان أشبه بـ «حساء» سائل فائق الكثافة، وذلك بعد رصد «موجة خلفية» ناتجة عن اختراق جسيم دقيق لبلازما بدائية داخل مصادم الهادرونات الكبير (LHC).
تقدم الدراسة المنشورة يوم 25 ديسمبر 2025 في دورية «فيزيكس ليترز بي»، أول دليل واضح على وجود انخفاض طفيف في إنتاج الجسيمات خلف «كوارك» عالي الطاقة أثناء عبوره لما يُعرف بـ «بلازما كوارك-غلوون»، وهي قطرة من المادة البدائية يُعتقد أنها ملأت الكون بعد ميكروثانية واحدة من الانفجار العظيم.
السبب والنتيجة
ولتفسير هذا الاكتشاف المعقد وفق معادلة «التبسيط العلمي السببي»، فإن السبب المادي يكمن في تصادم النوى الذرية الثقيلة بسرعة تقارب سرعة الضوء، مما يؤدي إلى انصهارها لحظيًا وتحولها إلى حالة غريبة تسمى «بلازما كوارك-غلوون».
الآلية الفيزيائية هنا تتمثل في تحرك الكواركات والغلوونات (ناقلات القوة النووية الشديدة) بحرية خارج حدود النواة، متصرفة كسائل فائق الحرارة وليست كغاز.
النتيجة التي رصدها العلماء هي تشكل «موجة» أو أثر مادي خلف الجسيم المتحرك، تمامًا كما يترك القارب أثرًا في الماء، وهو ما يثبت الطبيعة السائلة للكون الوليد.
وقد شرحت يي تشين، الأستاذة المساعدة للفيزياء بجامعة فاندربيلت وعضو فريق (CMS)، هذا السلوك قائلة: «نتوقع أن تندفع المياه للأمام مع القارب، لكننا نتوقع أيضًا انخفاضًا صغيرًا في مستوى الماء خلف القارب.. نريد العثور على هذا الانخفاض الصغير في الخلف».
دقة بوزون Z
واجه العلماء تحديًا تقنيًا هائلًا يتمثل في فصل إشارة «القارب» عن «الماء» داخل قطرة بلازما أصغر من الذرة بـ 10,000 مرة وتختفي في لمح البصر.
ولحل هذه المعضلة، لجأ الفريق إلى استخدام جسيم شريك يسمى «بوزون Z»، وهو أحد ناقلات القوة النووية الضعيفة.
الميزة الفريدة لهذا الجسيم أنه لا يتفاعل مع البلازما، بل يهرب منها فورًا كشاهد محايد، مما يسمح للعلماء بتحديد اتجاه وطاقة الكوارك الشريك بدقة متناهية دون تشويش.
وبتحليل الارتباطات بين بوزونات Z والهادرونات، رصد الفريق انخفاضًا بنسبة تقل عن 1% في كمية البلازما في الاتجاه الخلفي للكوارك.
ورغم ضآلة النسبة، إلا أنها تمثل البصمة الدقيقة التي تؤكد انتقال الطاقة والزخم إلى البلازما، وتكشف عن خصائصها اللزجة؛ فلو كانت البلازما سهلة التدفق لملأت الانخفاض فورًا، أما بقاء الأثر فيشير إلى طبيعة «شبه عسلية» أو كثيفة.
نافذة على الماضي
يحمل هذا الاكتشاف دلالات كونية عميقة؛ إذ يوفر نافذة نادرة لرؤية الكون في حقبة لا يمكن رصدها بالتلسكوبات التقليدية لأن الكون كان حينها «معتمًا».
وتعد تصادمات الأيونات الثقيلة الطريقة الوحيدة لمحاكاة تلك اللحظات وفهم كيفية تصرف المادة قبل أن تبرد لتشكل البروتونات والنيوترونات والذرات التي نعرفها اليوم.

