في رحلة تاريخية طويلة، جسدت الدرعية القديمة نقطة الانطلاق الأولى لما صار اليوم أحد أبرز الاقتصادات في الشرق الأوسط والعالم.
تقع الدرعية على ضفاف وادي حنيفة شمال غربي العاصمة الرياض، وهي موطن أول عاصمة للدولة السعودية، وأحد المواقع التاريخية التي تشهد على تأسيس الدولة السعودية الأولى في 1139 هـ / 1727م بقيادة الإمام محمد بن سعود، قبل أن تُصبح لاحقاً رمزاً للهوية والنظام السياسي في شبه الجزيرة العربية.

المدينة التاريخية عبارة عن مبانٍ طينية تقليدية ومساجد وأسواق صغيرة كانت تُدار بالطرق التقليدية، وتشكل اليوم موقعاً تراثياً عالمياً ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في حي الطريف، ما يعكس قيمتها التاريخية وإرثها الثقافي.
الدرعية قديماً.. من زراعة وتجارة محلية إلى مركز إقليمي
ترجع جذور الدرعية إلى 850 هـ / 1446م، عندما أسس الأمير مانع المريدي إمارة الدرعية على ضفاف وادي حنيفة، وجعل منها مركزاً للاستقرار السياسي والاقتصادي في وسط شبه الجزيرة العربية.

كانت الدرعية مدينة طينية تعتمد أساساً على الزراعة والتجارة البسيطة، إذ شجعت الأسواق فيها منذ القرن الثامن عشر الميلادي على تبادل السلع الزراعية مثل السمن والقمح والتمر والصوف وتصديرها إلى المراكز التجارية الإقليمية في الشام والعراق ومصر واليمن، واستيراد المنسوجات والأقمشة والأدوات المنزلية.
كانت الأسواق عبارة عن دكاكين وبسطات بسيطة، وشارع الحياة يعج بالباعة والمشترين دون أن يكون هناك نظام اقتصادي مؤسساتي أو صناعات متقدمة كما في اقتصادات لاحقة.

مع تأسيس الدولة السعودية الأولى في 1139 هـ / 1727م، أصبحت الدرعية عاصمة سياسية وثقافية، وربما أول نموذج لاقتصاد إقليمي منظم في الجزيرة العربية؛ حيث شكلت التجارة الداخلية والخارجية، مع تأمين طرق القوافل، حجر الأساس في نهضة المدينة الاقتصادية قبل أن تتراجع أهميتها السياسية لاحقاً في القرن التاسع عشر.
المملكة اليوم.. اقتصاد حديث ومتعدد المصادر
اليوم، تصنف السعودية كواحدة من أبرز القوى الاقتصادية العالمية. وفق بيانات صندوق النقد الدولي لعام 2025، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للمملكة نحو 1.27 تريليون دولار أمريكي، مع معدل نمو متوقع يبلغ حوالي 4.0% في عام 2025 حسب توقعات الصندوق. هذه الأرقام تجعل السعودية ضمن أكبر 20 اقتصاداً في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي وفق تصنيفات IMF للعام 2025.

وعند قياس الناتج وفق معامل تعادل القوة الشرائية (PPP)، تشير بعض التقديرات التحليلية القائمة على بيانات مؤشر تعادل القوة الشرائية إلى أن الناتج المحلي السعودي يمكن أن يصل إلى حوالي 2.7 تريليون دولار في نفس السنة، وهو رقم يستخدم في التحليل المقارن لتعكس قدرة الاقتصاد على الاستهلاك والإنتاج مقارنة بقوة العملات والتكاليف بين الدول.
هذا النمو الاقتصادي لم يأتِ من النفط وحده، إذ تعكس بيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية في السنوات الحديثة توسعاً واضحاً في مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، مع زيادة مشاركة قطاعات مثل الصناعة، الخدمات، السياحة وغيرها، ضمن سياسات رؤية المملكة 2030 للتنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للإيراد.
تحول اقتصادي عميق.. من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد متنوع
الاقتصاد السعودي الحديث لا يُقاس فقط بأرقام الناتج، بل بطبيعة التحول الذي تحقق خلال العقود الماضية، خصوصاً منذ إطلاق رؤية السعودية 2030.
تهدف هذه الخطة إلى تحوّل الاقتصاد من الاعتماد التقليدي على النفط كمصدر أساسي للإيرادات إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وإنتاجاً في مجالات مثل السياحة، الترفيه، الرياضة، الصناعة، والخدمات المالية.

وقد أكدت مؤشرات رسمية أن القطاعات غير النفطية باتت تشكل نسبة متزايدة من الناتج الإجمالي في الإصدارات الإحصائية الوطنية الحديثة، وهو مؤشر على نجاح السياسات التنموية في إعادة تشكيل بنية الاقتصاد السعودي.
على صعيد التنمية، تدعم حكومة السعودية مشاريع ضخمة مثل تطوير المناطق التاريخية والتراثية بما في ذلك الدرعية بوصفها رافداً ثقافياً واقتصادياً يساهم في الجذب السياحي والاستثماري، وهو جزء من سياسة شاملة لتعزيز التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمار المحلي والدولي.
التحول الاقتصادي السعودي اليوم هو نتاج تراكُم جهود طويلة تمتد من اقتصاد محلي بسيط في الدرعية يعتمد على الزراعة والتجارة الإقليمية في القرن الثامن عشر، إلى اقتصاد حديث متكامل يحافظ على مكانته بين أهم اقتصادات العالم في القرن الحادي والعشرين، مع توجهات واضحة نحو تعزيز النمو المستدام وجذب الاستثمار وتعميق التكامل مع الاقتصاد العالمي.

