سلمان الشريدة
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من أدوات الضغط، بل بقدرتها على استخدام هذه الأدوات دون أن تنقلب ضدها.
ما يجري اليوم في المشهد الأمريكي – الإسرائيلي – الإيراني يضع طهران أمام اختبار حقيقي للعقل السياسي، اختبار يبدو أنها أخفقت فيه مبكراً.
إيران دخلت هذه المواجهة وهي تراهن على مبدأ “توسيع ساحة الاشتباك” باعتباره ورقة ردع، لكن ما حدث فعلياً أن هذا التوسيع كشف هشاشة الحسابات لا قوتها.
فحين تنتقل الرسائل العسكرية من الخصوم المباشرين إلى دول محايدة، يتحول الصراع من معادلة ردع إلى أزمة شرعية.
المعضلة الإيرانية لم تكن في الرغبة بالتصعيد، بل في غياب البوصلة السياسية التي تضبط هذا التصعيد.
استهداف منشآت مدنية ومطارات في دول خليجية أعلنت حيادها منذ اللحظة الأولى، لم يحقق أي تغيير في ميزان القوة، لكنه غير بالكامل صورة إيران في الوعي الإقليمي والدولي، من لاعب يسعى لفرض شروطه، إلى طرف متهور يعيد إنتاج الفوضى.
في المقابل، قدم الخليج نموذجاً مختلفاً لإدارة الأزمات. لم تدار المواجهة بخطاب انفعالي أو استعراض عضلات، بل عبر تثبيت مبدأ واضح: الحياد ليس ضعفاً، والسيادة ليست محل تفاوض.
هذا الموقف الموحد لم يكن رد فعل، بل تراكم خبرة سياسية طويلة في فهم طبيعة السلوك الإيراني وكيفية احتوائه دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.
الدور السعودي هنا تجاوز كونه موقف دولة إلى كونه منهج إدارة أزمة.
المملكة لم تدخل في لعبة الرسائل المتبادلة، بل أعادت تعريف قواعد الاشتباك: حماية المجال الجوي، منع تحويل الجغرافيا إلى منصة صراع، وإبقاء المدنيين خارج أي حسابات عسكرية.
هذه المقاربة لا تربك الخصم فقط، بل تحرمه من أهم أدواته: توسيع دائرة الفوضى.
المفارقة أن إيران، بسلوكها الأخير، ساهمت في تحقيق ما كانت تسعى إلى منعه. فقد أعادت توحيد الموقف الخليجي، ورسخت قناعة دولية بأن المشكلة لم تعد في “توازن قوى” بقدر ما هي في “سلوك دولة”.
وهذا التحول أخطر على طهران من أي ضربة عسكرية، لأنه يمس قدرتها على المناورة السياسية مستقبلًا.
ما تكشفه هذه المرحلة أن الصراعات لم تعد تُحسم بالضجيج ولا بالشعارات، بل بقدرة الدول على إدارة المخاطر وتقليص الخسائر وبناء الشرعية.
ومن هذه الزاوية، فإن إيران لا تواجه خصومها فقط، بل تواجه فشلها في قراءة الإقليم الذي تغير، ولم يعد يقبل أن يكون ساحة لتصفية الحسابات.
إن هذه المواجهة كشفت خطاً فاصلاً بين من يدير الصراع بعقل الدولة، ومن يخوضه بعقلية الأزمة الدائمة. وفي هذا الخط الفاصل، يبدو أن الخليج اختار الاستقرار كخيار استراتيجي، بينما اختارت إيران مساراً يجعل الصراع عبئاً عليها قبل أن يكون أداة ضغط بيدها.

