منى الثبيتي – الوئام
في ليالي رمضان، لا يُقاس الطريق بالدقائق، بل بدرجة الشوق لصوتٍ يُلامس القلب ، وقبيل أذان العشاء، تبدأ الحكاية، سيارات تصطف، وأقدام تسرع، وأصوات تتساءل: «من الإمام الليلة؟ وهل صوته كما يقال.. يحيي القلوب؟».
لم تعد التراويح مجرّد صلاة تؤدى في أقرب مسجد، بل تحوّلت لدى البعض إلى «رحلة صوت»، يقطعون لها المسافات، ويبدّلون مساجد أحيائهم، بحثًا عن إمامٍ يمتلك نبرةً شجية، تُسكب معها الآيات في القلوب قبل الآذان، لتصل أسماء الأئمة ومواقع المساجد إلى قوائم على مواقع التواصل الاجتماعي، تُنشر وتوصيات أشبه بدليلٍ رقمي لصلاة التراويح للأعذب والأكثر خشوعاً حسب الأحياء القريبة.
ومع كل ليلة، تتكرر المشاهد ذاتها: ازدحامٌ في الطرقات المؤدية للمساجد الموصى بها، صفوف تمتد خارج الأبواب، وأحيانًا تتجاوز الأرصفة لتصل إلى الشوارع.
ثم مشهدٌ أكثر دهشة.. مصلون يؤدّون الصلاة في الطرقات، وآخرون يجدون في أحواش المنازل المجاورة ملاذًا مؤقتًا، بعد أن بادر بعض أصحاب البيوت بفتح أبوابها كرمًا واحتسابًا للأجر. لكن خلف هذا المشهد الروحاني، يقف سؤال هادئ يطرحه جيران المسجد: هل يتحول البحث عن الصوت الجميل إلى مصدر إزعاجٍ يومي؟، وما الحدّ الفاصل بين استثمار نعمة الصوت الحسن، والحفاظ على حقوق الطريق وراحة الجوار؟.
المواطن على العمري تحدث لـ«الوئام» قائلاً إنّ الأصوات الشجية نعمة، لا شكّ في ذلك، وقد قال النبي: “ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن”، غير أنّ الخشوع الحقيقي لا يُقاس بمدى جمال الصوت فقط، بل بمدى حضور القلب ، فالآيات التي تُتلى بصوتٍ بسيط قد تُوقظ روحًا غافلة، كما قد تمرّ التلاوات العذبة على أذنٍ منشغلة فلا تحرّك فيها سكونًا.
محمد الروقي أبدى رأيه بأن رمضان.. شهر التوازن قبل أن يكون شهر الازدحام، هو شهر السكينة التي تبدأ من داخل القلب، لا من مكبّر الصوت ، وهو أيضًا شهر مراعاة الآخرين؛ فالمصلّي الذي يسعى للخشوع، لا يريد أن يكون سببًا في تضييق طريقٍ، أو إزعاج مريض، أو إرباك جارٍ لم يغادر منزله.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على البحث التقليدي عن مسجدٍ قريب أو إمامٍ معروف، بل تحوّلت أسماء الأئمة ومواقع المساجد إلى مادةٍ متداولة يوميًا بين نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، تُنشر في قوائم وتوصيات أشبه بدليلٍ رقمي لصلاة التراويح.
ومع كل ليلة، تتصاعد موجة المقاطع المصوّرة من داخل المساجد، يلتقطها بعض النشطاء ويوثقون فيها تلاوات الأئمة وأصواتهم الندية، لتنتشر سريعًا بين المتابعين وتُعيد رسم خريطة الازدحام من جديد. وبين الإعجاب بجمال التلاوة، يبرز تساؤلٌ صامت: هل تحوّلت قدسية المكان إلى محتوى عابر في سباق المشاهدات، أم أن الشغف بالصوت الخاشع بات يفرض حضوره حتى عبر الشاشات؟
في حين برز موقف وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد التنظيمي الحاسم؛ إذ منع تسجيل الصلوات أو بثها مباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي من داخل المساجد، حمايةً لحرمة المكان وصونًا لأجواء العبادة من أي مظاهر قد تشتت المصلين أو تحوّل المشهد التعبدي إلى محتوى قابل للتداول. هذا التوجيه أعاد التذكير بأن المسجد يظل مساحةً خالصة للخشوع، لا منصة تصوير، وأن جمال التلاوة يُعاش في حضوره الروحي لا في عدد المشاهدات أو مرات المشاركة .
ولعلّ أجمل صورة يمكن أن تصف التراويح، ليست في مسجدٍ ممتلئ، ولا شارعٍ مكتظ، بل في قلبٍ خاشع ، يقف في الصف الأول أو الأخير، خلف إمامٍ صوته عذب أو عادي، لكنه يهمس لنفسه: «الخشوع هنا… في القلب، لا في الأذن».

