د. سعود النداح
هناك لحظة هادئة في حياة الإنسان لا يلاحظها أحد سواه تتغير فيها زاوية نظره للأشياء دون إعلان أو تباهي بها فقط يبدأ يشعر أن ما كان يثقله بالأمس لم يعد يملك نفس السلطة عليه، وأن كثيراً من التفاصيل التي كانت تسرق طاقته فقدت تأثيرها دون أن يحاول إسكاتها أو مقاومتها هذه اللحظة اسمها التغافل.
التغافل هو الوعي الناضج للإنسان النبيل حينما يختار أين يقف وأين يمضي دون أن يلتفت ليس لأن ما يحدث لا يُفهم لأن الإنسان وصل إلى قناعة عميقة أن فهم كل شيء لا يعني أن يمنحه من نفسه شيئاً، وأن الرد على كل شيء لا يضيف قيمة لحياته وأن الانشغال بكل ما يدور حوله يستهلكه أكثر مما ينفعه.
وحين يقترب الإنسان من هذا المعنى يبدأ يلاحظ أن راحته لم تكن في تغير الناس من حوله ولا في تعديل سلوكهم ولا في تفسير دوافعهم، راحته كانت في تقليل مساحة حضورهم داخله في أن يرى الخطأ دون أن يسمح له أن يسكنه وفي أن يسمع ما يزعجه دون أن يجعله محور يومه وفي أن يدرك أن كثيراً من التصرفات لا تحتاج رداً ولا حتى تفسيراً.
ويأتي الهدي القرآني ليضع هذا المعنى في سياقه الأعمق حين يقول الله تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)، الإعراض هنا اختيار رصين لحفظ النفس من أن تنجر إلى ما لا يليق بها، ويقول سبحانه (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)، سلاماً تعني أن الإنسان لا يسمح لكل صوت أن يدخل إلى داخله ولا لكل موقف أن يعبث باتزانه.
المتغافل لا يعيش بعيداً عن الواقع هو يراه بوضوح ويقرأه جيداً ويعرف تفاصيله لكنه لا يمنح كل ما يراه مساحة داخلية هو مشغول بذاته بنموه بما يبنيه داخله، لذلك لا يتوقف كثيراً عند ما يهدمه الآخرون حوله يمر على المواقف مرور من يعرف قيمته فلا يضعها في يد أحد ولا يجعل مزاجه رهينة لتصرفات متغيرة.
ومع الوقت يصل الإنسان إلى حالة مختلفة تماماً لا تعني أنه لم يعد يشعر تعني أنه أصبح يختار ما الذي يستحق أن يشعر به لم يعد كل شيء قادراً على استفزازه ولا كل كلمة قادرة على سحبه ولا كل موقف قادراً على كسره يعرف متى يتكلم ومتى يكتفي ومتى ينسحب دون أن يشرح نفسه لأحد.
التغافل بهذا المعنى هو أعلى درجاته لأن الإنسان هنا لا يتعامل مع الحياة بردة فعل سريعة يتعامل معها ببوصلة داخلية مستقرة تضبطه هو قبل أن تضبط علاقته بالآخرين، وحين يستقر هذا المعنى داخله يكتشف أن راحة البال لم تكن في هدوء العالم من حوله كانت في هدوئه هو وفي قدرته على أن يرى كثيراً ويتجاوز أكثر وينشغل بنفسه بالقدر الذي يجعله يعيش بخفة لا يفقد معها عمقه ولا سلامه الداخلي.

