د. سعود النداح
أحيانًا ترى شقيقين لهم نفس الجينات، ونفس البيئة والتربية والنشأة، حتى لو اختلفت قليلًا، لكن ترى أحدهم بعد النضج يستطيع تغيير المشهد في عقله بتغيير تفسيره للمشهد، والآخر لا.
بمعنى ترى أحدهم يكبر الأمور، والآخر يضعها في حجمها الحقيقي، والفكرة تتمحور في كيف تفسر الأمر، وهل تم وضعه تحت تعريف مغاير.
المشاكل اليومية طبيعية وروتينية، البعض نجدها تأخذه إلى مزاج سيئ طوال اليوم، والبعض لا تجده يدرجها تحت بند مشاكل يومية.
الإنسان الذي يكبر الأمور لم يكبرها فجأة، هو في الحقيقة يحمل تعريفات داخلية قديمة تجعل كل حدث بسيط يُسحب إلى معانٍ أعمق من حجمه الطبيعي، فيراه تهديدًا أو تقليلًا أو فشلًا، في حين أن ذات الموقف عند شخص آخر يمر كخبر عابر لا يستحق التوقف عنده.
المسألة ليست قوة عقل ولا ضعف شخصية، المسألة طريقة برمجة ذهنية تراكمت عبر سنوات من التجارب والتفسيرات المتكررة، حتى أصبحت تلقائية تعمل دون وعي صاحبها. كل موقف يمر عبر هذا الفلتر الداخلي، فيُعطى حجمًا ومعنى بناءً على ما تم تخزينه سابقًا.
في لحظة الوعي يبدأ الفرق الحقيقي، حين يدرك الإنسان أن ما يزعجه ليس الحدث ذاته، وإنما المعنى الذي ألبسه لهذا الحدث، وأن لديه قدرة على إعادة تعريفه من جديد، حين يفهم أن التأويل اختيار، وأن التفسير مهارة يمكن تهذيبها، وأن أول خطوة في الاتزان ليست تغيير الواقع، وإنما تغيير زاوية النظر إليه.
عندما تعيد تسمية الأشياء يتغير أثرها في داخلك، الكلمة التي كانت تهزك تصبح مجرد ملاحظة، والموقف الذي كان يربكك يصبح تجربة عابرة، والشخص الذي كان يستفزك يتحول إلى حالة مفهومة أكثر من كونه خصمًا مباشرًا.
مع الوقت يتشكل نمط مختلف من الهدوء، لا يعتمد على خلو الحياة من الضغوط، وإنما على قدرتك على وضع كل شيء في حجمه الحقيقي، فلا تعطي موقفًا أكثر مما يستحق، ولا تحمل كلمة أكثر مما تحتمل، ولا تجعل يومك رهينة لتفصيل صغير مر في لحظة عابرة.
وهنا يصل الإنسان إلى مرحلة عميقة من الراحة، مرحلة لا تعني أن الحياة أصبحت سهلة، وإنما تعني أن عقله أصبح أكثر عدلًا في الحكم، وأكثر حكمة في التفسير، وأكثر اتزانًا في استقبال ما يحدث دون تهويل أو اندفاع.
هذه المهارة لا تُمنح جاهزة، ولا تُكتسب من موقف واحد، هي قرار يتكرر كل يوم أن ترى الأمور كما هي، وليس كما تخافها.
أن تضع حدًا بين الواقع وتفسيرك له، أن تدرك أن أعقد المعارك التي تخوضها ليست مع العالم من حولك، وإنما مع الصورة التي رسمتها له داخل عقلك.

