مطلق بن كليب السبيعي
دائمًا ما يمثل تغيير الهوية البصرية للمؤسسات والشركات نقطة تحول تثير الكثير من النقاش، فتغيير الشعارات والألوان والبحث فيها ليس ترفًا فنيًا، بل هو إعلان صريح عن إعادة صياغة شاملة للرؤية ولـ (طريقة الشغل) بأسلوب جديد.
وعملية «إعادة صياغة الهوية البصرية أو العلامة التجارية» ليست مجرد تعديل في الرسوم والألوان أو حتى في شكل الشعار، بل هي أعمق من ذلك، فهو الجسر البصري الذي ينقل المؤسسة من تاريخها القديم إلى طموحاتها ورؤيتها المستقبلية، كما أنها محاولة جادة ومدروسة لإعادة تشكيل الصورة الذهنية في أذهان الجمهور بما يتوافق مع متغيرات السوق ورغبات الجمهور المتسارعة.
لو نقرأ المشهد العالمي نجد أن كبرى الشركات لم تلجأ للتغيير إلا للضرورة الملحة، فشركة «أبل» مثلًا لم تنتقل من شعارها الملون إلى التصميم الأحادي إلا لتعكس مفهوم الحداثة والفخامة التقنية، بينما قامت «جوجل» بتبسيط خطوطها لتناسب عصر السرعة والوضوح الرقمي.
وحتى في قطاع الإعلام، لم يكن تحول صحيفة «واشنطن بوست» بعد تغيير ملكيتها في عام 2025 مجرد إجراء إداري، بل كان إعادة صياغة لهويتها الفكرية لتتحول من مؤسسة تقليدية تصارع البقاء إلى منصة تقنية ذات توجه اقتصادي محدد، مما يثبت أن الهوية هي «الروح» التي تمنح المؤسسة تميزها في زحام المنافسة.
وعلى مستوى سوقنا المحلي نجد أن ما يحدث في «الوئام» اليوم هو المثال الأبرز لمفهوم التغيير الذي نناقشه، وحالة تستوجب الوقوف عندها.
فمع إعلان استحواذ شركة NOB عليها في أواخر عام 2025، باتت الصحيفة أمام استحقاق مهني كبير يتطلب مواءمة تاريخها الصحفي مع الرؤية الجديدة للصحيفة.
إن هذا التحول يضع «الوئام» أمام تحدي الحفاظ على رصيدها من الثقة والولاء لدى القراء، وفي الوقت نفسه الانطلاق نحو آفاق أوسع تضمن للصحيفة الريادة في سوق المحتوى الرقمي المتجدد.
طبعًا، التغيير لا يخلو من المغامرة، فالعلاقة مع القارئ حساسة جدًا، وأي تبديل غير مدروس للهوية قد يسبب ارتباكًا يقطع حبل التواصل الذي بُني عبر السنين.
لذا فإن نجاح أي تحول، كما في حالة «الوئام» المنتظرة، مرهون بمدى قدرة الهوية الجديدة على إيصال رسالة التغيير العميقة، بدلًا من التركيز على الواجهة فقط، وأن تكون الرسالة البصرية انعكاسًا حقيقيًا لتطور في جودة المحتوى والسياسة التحريرية.
ختامًا، يبقى تغيير الهوية قرارًا شجاعًا، لكنه لا يحقق غايته إلا إذا اقترن باستراتيجية عميقة تلمس احتياجات الجمهور.
فالمؤسسات الناجحة هي التي تدرك أن الشعار الجديد ليس إلا واجهة لمبنى يجب أن يتطور من الداخل أولًا، وأن «الوئام» في مرحلتها القادمة أمام فرصة تاريخية لترسيخ مكانتها كمنصة إعلامية عصرية تدرك أن التجديد هو حجر الزاوية للاستقرار في القمة، وهي اليوم تمضي بخطى واثقة في طريقها نحو نجاح يتجاوز التوقعات.

