في قلب جدة التاريخية، يبرز متحف البحر الأحمر كمساحة تحتفي بالتراث البحري وتعيد تقديمه بروح معاصرة، حيث تتألق سبَح “اليُسر” بوصفها واحدة من أبرز القطع الحرفية المعروضة، حاملةً مزيجاً من العمق الروحي والجمال الفني. وبين تفاصيل الصنعة التقليدية وثراء المادة الخام النادرة، تتجلى حكاية ممتدة من البحر إلى الذاكرة.
سبَح “اليُسر”.. حرفة من عمق البحر
تلفت سبَح “اليُسر” أنظار الزوار داخل قاعات متحف البحر الأحمر في جدة التاريخية، باعتبارها من القطع الحرفية التي تعكس ارتباط الإنسان بالبيئة البحرية.
وتُصنع هذه السبح تقليدياً من مادة “اليُسر”، وهو نوع من المرجان الأسود النادر المعروف باسم “يسر مكاوي”، الذي ارتبط تاريخياً بحِرف البحر الأحمر، ويتميز بلونه الداكن ولمعانه الطبيعي بعد صقله بعناية.
وتُظهر هذه القطع مستوى عالياً من الدقة الحرفية، إذ تُطعَّم بعض منها بالفضة أو الكهرمان، في انعكاس واضح لتطور المهارات اليدوية التي توارثتها الأجيال.
البعد الروحي والثقافي للسبح
ارتبطت سبَح “اليُسر” بثقافة الذكر والتسبيح في السياق الإسلامي، حيث تُنظَّم حباتها عادةً في 33 أو 99 حبّة، لتتحول إلى أداة للتأمل والسكينة الروحية.
هذا البعد الروحي منح السبح مكانة خاصة في الذاكرة الثقافية، لتتجاوز كونها قطعة حرفية إلى رمز يحمل دلالات دينية وإنسانية متجذرة.
كما ارتبطت هذه المشغولات ضمن تقاليد اقتناء الهدايا والتذكارات المكية، التي تعود إلى رحلات الحج والعمرة، حيث كانت تُقدَّم كهدايا تحمل رمزية وجدانية واجتماعية.
جماليات العرض وإعادة صياغة التراث
في أروقة المتحف، تظهر سبَح “اليُسر” ضمن مشهد بصري يعكس جماليات التراث البحري، حيث تُعرض بتفاصيلها الدقيقة التي تبرز مهارة الصياغة الحرفية.
وتعمل هذه المعروضات على إعادة تقديم عناصر البيئة البحرية في قوالب فنية معاصرة، ما يعزز حضور التراث في الفضاء الثقافي الحديث.
ويواصل متحف البحر الأحمر تقديم تجربة ثقافية متكاملة، تسلط الضوء على ثراء الإرث البحري للمملكة، وتفتح آفاقاً للحوار الحضاري والتبادل المعرفي بين الثقافات.
جدة التاريخية ورؤية ثقافية متجددة
يأتي عرض هذه القطع ضمن جهود أوسع لإحياء جدة التاريخية، وتعزيز مكانتها كوجهة ثقافية عالمية تجمع بين الأصالة والتجديد.
وتندرج هذه المبادرات في إطار مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تركز على صون التراث الوطني وإبراز مكوناته الثقافية، بما يعكس التزاماً متواصلاً بإثراء المشهد الثقافي في المملكة.
بين البحر والذاكرة، وبين الحرفة والروح، تظل سبَح “اليُسر” في متحف البحر الأحمر أكثر من مجرد قطعة تراثية، بل شاهداً على امتداد ثقافي يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ومحيطه عبر الزمن.

