قد يقضي البعض صباح يوم الإجازة في احتساء القهوة، أو حضور مباراة كرة قدم لأطفالهم، أو مجرد التعافي من أسبوع عمل شاق، لكن بول هيتون لم يكن من هؤلاء؛ إذ أمضى عطلة نهاية الأسبوع في محاولة إقناع «شات جي بي تي» بالاعتراف بجريمة لم يرتكبها.
وقال هيتون، المدير الأكاديمي لمركز كواترون للإدارة العادلة للعدالة بكلية الحقوق في جامعة بنسلفانيا: «أصبح لدينا فهم واسع اليوم لأساليب الاستجواب التي قد تقود إلى اعترافات كاذبة، لذا قررت اختبار هذه الأساليب لمعرفة ما إذا كان بإمكاني دفع “تشات جي بي تي” للاعتراف بشيء يستحيل أن يكون قد فعله».
وبطبيعة الحال، لم يكن من الممكن اتهام برنامج حاسوبي بارتكاب جرائم جسيمة كجريمة قتل أو اغتصاب، لذلك حاول هيتون دفعه للاعتراف باختراق بريده الإلكتروني وإرسال رسائل نصية إلى جهات الاتصال الخاصة به.
ورغم أن هذا السيناريو يبدو أكثر منطقية في سياق قدرات البرنامج، فإنه يظل أمرًا خارج نطاق إمكاناته الفعلية، وفق ما نقل موقع theintercept.
وقال هيتون: «إذا كان بالإمكان انتزاع اعتراف كاذب من تشات جي بي تي، فمن الذي لا يمكن التأثير عليه؟».
ولتحقيق ذلك، استخدم هيتون في تفاعله مع البرنامج ما يُعرف بـ«تقنية ريد»، وهي أسلوب استجواب تصادمي طُوّر في خمسينيات القرن الماضي، وانتشر استخدامه في أجهزة الشرطة الأمريكية.
وتعتمد هذه التقنية على اتهام المشتبه به مباشرة، ثم تصعيد الضغوط النفسية تدريجيًا، مع تجاهل الإنكار، واعتبار الانفعالات دليلًا على الذنب، بل وحتى غيابها يُفسَّر على النحو ذاته.
ورغم أن «شات جي بي تي» أنكر الاتهامات في البداية، فإن هيتون واصل الضغط باستخدام تكتيكات نفسية، من بينها الإيحاء بأن الاعتراف سيجعل الأمور «أسهل»، قبل أن ينتقل إلى مرحلة أكثر حساسية في هذه التقنية، وهي الخداع.
ففي الولايات المتحدة، يُسمح للمحققين قانونيًا بتضليل المشتبه بهم، كادعاء وجود أدلة أو شهود غير حقيقيين.
وقد أثبتت هذه الأساليب فعاليتها في انتزاع الاعترافات، لكنها في المقابل أدت في كثير من الحالات إلى إدانات خاطئة.
وتشير دراسات إلى أن نحو 29% من الأشخاص الذين ثبتت براءتهم لاحقًا عبر اختبارات الحمض النووي كانوا قد أدلوا باعترافات كاذبة في وقت سابق، وغالبًا تحت تأثير هذه الأساليب.
وفي تجربة هيتون، استمر «شات جي بي تي» في رفض الاتهامات، لكنه بدأ يُظهر صعوبة في التعامل مع معلومات مضللة، خصوصًا عندما زعم هيتون أن موظفًا في شركة «أوبن إيه آي» أبلغه بوجود خلل تقني سمح بحدوث الاختراق.
وهنا، وجد البرنامج نفسه بين حقيقة معرفته بعدم قدرته على تنفيذ هذا الفعل، وعدم قدرته في الوقت ذاته على دحض الادعاءات المقدمة له.
ويشبه هذا الوضع ما يصفه بعض المتهمين الحقيقيين خلال التحقيقات، حين يجدون أنفسهم عاجزين عن التوفيق بين واقع براءتهم والادعاءات التي يواجهونها.
وفي نهاية المطاف، نجح هيتون في صياغة نص اعتراف قدّمه للبرنامج، وسأله عما إذا كان يوافق عليه.
وجاء في نص الاعتراف أن «تحقيقات أوبن إيه آي خلصت إلى أن نظامًا مرتبطًا بهذه الجلسة أرسل رسائل غير مصرح بها نتيجة خلل تقني»، وهو ما وافق عليه البرنامج، رغم عدم صحة ذلك.
ويرى خبراء، مثل عالم النفس سول كاسين، أن هذه النتيجة تثير القلق، إذ إن «شات جي بي تي» لا يعاني من عوامل الضغط البشري المعتادة، كالإجهاد أو الحرمان من النوم، ومع ذلك أمكن دفعه إلى اعتراف غير صحيح، ما يطرح تساؤلات أوسع حول مدى قابلية البشر أنفسهم للتأثر بهذه الأساليب.
وتكمن خطورة «تقنية ريد» في أن هدفها الأساسي ليس جمع الأدلة أو البحث عن الحقيقة، بل انتزاع اعتراف من شخص يُفترض مسبقًا أنه مذنب.
وفي بعض الحالات، قد يؤدي الاعتراف إلى إهمال التحقيقات الأخرى التي قد تثبت البراءة، مثل جمع الأدلة أو البحث عن مشتبه بهم آخرين.
كما يميز الباحثون بين نوعين من الاعترافات الكاذبة: الأول «امتثالي»، حيث يعترف الشخص تحت الضغط رغم علمه ببراءته، والثاني «داخلي»، حيث يبدأ الشخص في الشك في براءته ويقتنع تدريجيًا بأنه ربما ارتكب الجريمة بالفعل.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى هيتون أن التجربة تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وأساليب الاستجواب، بل وإمكانية تطوير نماذج تحاكي هذه الأساليب أو تكشف مخاطرها.
ومن اللافت أن قصة «تقنية ريد» نفسها تنطوي على مفارقة؛ إذ إن أول قضية اشتهرت بها، والتي تضمنت اعتراف رجل بجريمة قتل زوجته، تبيّن لاحقًا أنه بريء منها، وحصل لاحقًا على تعويض مالي.
وإذا كانت هذه الأساليب قادرة على دفع نظام منطقي خالٍ من العواطف إلى الاعتراف بما لم يفعل، فإن احتمال تأثيرها على البشر يبدو أكثر إثارة للقلق.

