أحمد الفهيد
(١)
عندما تتحول الاتهامات من وسوسات غاضبة إلى تصريحات علنية تمس نزاهة الدوري، ثم تمرّ بلا ردٍ يوازي خطورتها، فإن الخلل ليس في اللاعبين أو المدربين، إنما في السقف الذي سُمح لهم بتجاوزه.
(٢)
السكوت عنها ليس حيادًا، إنه تفريط يزيد جرعة الجرأة، ويفتح بابًا واسعًا للتطاول، ويمنح كل صوت لاحق إذنًا غير مكتوب لقول ما هو أخطر، لأن المشكلة لم تعد في ما يُقال، المشكلة في أنه لا أحد يوقفه.
حين تختار الجهة المنظمة أن تتسامح في اللحظة التي يجب أن تتعامل فيها بحزم وحسم، فهي لا تشتري الهدوء، إنما تؤجل الانفجار.
(٣)
تصريحات مدافع الأهلي، «ميريح ديميرال» الأخيرة المشككة في نزاهة الحكام، وقبلها إساءة مدرب النصر «خورخي جيسوس» الصريحة للهلال وللجهات المنظمة للبطولات السعودية، واتهامات مهاجم الأهلي وهداف الدوري، «إيفان توني»، لحكم سعودي، ولمز زميله «ويندرسون جالينو» لعدالة المنافسة، واحتجاجات لاعب وسط الهلال «روبن نيفيز» على قرارات لجنة الانضباط ووصفها بالعار، وأخيرًا حديث قائد النصر وهدافه «كريستيانو رونالدو» المتيقن بوجود نفوذ لأندية خارج الملعب، ليست أحداثًا منفصلة، هي سلسلة واحدة، شجعها «التهاون» على الوقاحة بقباحة، إلى أن تضخمت جدًا، حتى أصبحت غير قادرة على استيعاب نفسها، لأن السقف لم يكن موجودًا، والحدود لم تُرسم بوضوح.
(٤)
اللاعب أو المدرب لا يختبر «الحقيقة»، إنه يختبر «الحدود»، فإذا لم يجد حدًا، صنع لنفسه مساحة أوسع كل مرة، وهنا تكمن المشكلة.
(مثلًا) قائد منتخب البرتغال والنصر السعودي، عندما صدرت منه إشارة غير أخلاقية في مناسبتين، ولم يُتخذ بحقه إجراء حاسمًا، كانت الرسالة غير المباشرة: «يمكنك الإفلات».. وفي المرة الثالثة، تحركت المنظومة بعد شكوى رسمية، فعوقب، فتوقف عن البذاءة.
(٥)
القصة هنا ليست في الفعل بقدر ما هي في توقيت الردع، ماذا لو استمر الصمت؟!.. هل كانت الجهة نفسها ستملك الشجاعة لمعاقبة لاعب آخر على الفعل ذاته (كما عاقبت لاعب الشباب «ويسلي هوديت؟!).. أم أن الازدواجية كانت ستُفرض كأمر واقع؟!.
هذه هي النقطة الأساسية: العدالة ليست فقط في القرار، بل في توقيته وجرأته.
(٦)
اليوم، الاتهامات تجاوزت النقد الفني إلى التشكيك في نزاهة الدوري نفسه، وهذا أخطر بكثير من خطأ تحكيمي أو لقطة مثيرة للجدل، لأنك حين تترك باب «التشكيك العام» مفتوحًا دون ردع حقيقي، فأنت تسمح بتآكل الثقة، والثقة هي رأس مال أي بطولة.
(٧)
لكن في المقابل، الحل ليس مثاليًا بالكامل في العقوبات الحالية، إيقاف اللاعب قد يبدو حازمًا، لكنه عمليًا يعاقب النادي وجماهيره أكثر مما يعاقب الشخص الذي أخطأ، لذلك، العقوبة الأذكى ليست دائمًا الإيقاف، بل الغرامة المالية الثقيلة، الغرامة التي تُشعر المخطئ بأن الكلمة لها ثمن، وأن الإثارة المجانية ليست بلا تكلفة.
(٨)
ما يحتاجه الدوري اليوم ليس فقط لوائح، ما يحتاجه هو «الهيبة».. هيبة تجعل أي لاعب أو مدرب أو إداري يفكر مرتين قبل أن يطلق اتهامًا بلا دليل.. هيبة تجعل النقد مرحبًا به، لكن التجاوز مرفوض بلا تردد.. هيبة لا تميز بين نجم عالمي ولاعب محلي، ولا بين نادٍ كبير أو صغير.
(٩)
في الدوريات الأوروبية، يلجأ بعض اللاعبين إلى تمرير رسائلهم عبر حسابات المقربين والأصدقاء للالتفاف على النظام والإفلات من تبعاته، مدركين أن أي تصريح علني هو الطريق الأقصر لعقوبة طويلة، أما نحن فجعلناها واضحة: لا تتحايل ولا تتحلّى بضبط النفس، بل قل ما تريد حين تريد، بلا تردد!
(١٠)
الرسالة يجب أن تكون واضحة، واضحة جدًا:
تستطيع أن تعترض، أن تناقش، أن تغضب، لكن لا يمكنك أن تُشكك في نزاهة المنافسة دون دليل، ثم تمرّ مرور الكرام.
لأن المشكلة ليست في من قال، وإنما في من سمح له أن يقول، دون أن يدفع ثمن ما قاله.

