في وقتٍ تتزايد فيه المخاوف الصحية العالمية، كشفت تقارير طبية عن تفشٍ لفيروس “هانتا” على متن سفينة سياحية دولية، تبين لاحقًا أن السلالة المسببة له هي “أنديز”، وهي أخطر أنواع هذا الفيروس النادر، إذ تعد الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال بين البشر.
وبحسب أطباء وأخصائيين في الأمراض المعدية، فإن هذا التفشي الذي أسفر حتى الآن عن وفاة ثلاثة أشخاص وإصابة خمسة آخرين، لا يشبه من حيث آلية الانتشار فيروسات الجهاز التنفسي الشائعة مثل كوفيد-19 أو الإنفلونزا، مؤكدين أن خطر انتقاله إلى العامة لا يزال منخفضًا للغاية.
سلالة نادرة شديدة الخطورة
سلالة “أنديز” من فيروس هانتا تُعد من أخطر الأنواع المعروفة، وهي منتشرة بشكل أساسي في أمريكا الجنوبية، خاصة في مناطق من الأرجنتين، وهي المنطقة التي انطلقت منها الرحلة الخاصة بالسفينة السياحية المتأثرة بالتفشي.
وتشير البيانات الطبية إلى وجود نحو 40 سلالة مختلفة من فيروس هانتا حول العالم، تختلف في شدتها وطريقة تسببها بالمرض. غير أن سلالة “أنديز” تتميز بكونها الوحيدة التي يمكن أن تنتقل بين البشر، بينما تعتمد معظم السلالات الأخرى على انتقال العدوى من القوارض إلى الإنسان.
كيف ينتقل الفيروس؟
يوضح خبراء الأمراض المعدية أن فيروس هانتا بشكل عام ينتقل عبر ملامسة فضلات أو لعاب أو بول القوارض المصابة، خصوصًا الفئران، حيث يمكن أن تتحول هذه الإفرازات إلى جزيئات محمولة في الهواء ثم تُستنشق.
أما في حالة سلالة “أنديز”، فالأمر أكثر تعقيدًا، إذ يمكن أن ينتقل الفيروس بين البشر عبر الرذاذ التنفسي الناتج عن السعال أو العطس أو حتى الحديث عن قرب، إضافة إلى انتقاله عبر السوائل الجسدية مثل اللعاب أو خلال الاتصال الجسدي الوثيق.
ورغم ذلك، يؤكد الأطباء أن هذا النوع من الانتقال لا يحدث بسهولة، ويقتصر غالبًا على المخالطة اللصيقة أو البيئات الطبية غير المحمية بشكل كافٍ.
ويقول خبراء إن نسبة انتقال العدوى من إنسان إلى آخر لا تتجاوز 2% إلى 5% من إجمالي الحالات، إلا أن بعض الحالات النادرة شهدت تفشيات محدودة داخل تجمعات مغلقة.
تفشٍ تاريخي يوضح خطورة الموقف
في عام 2018، شهدت الأرجنتين واحدة من أبرز حالات التفشي، عندما أدى تجمع اجتماعي حضره عدد من المصابين إلى انتشار الفيروس بين الحضور، بما في ذلك حفلات مزدحمة مثل أعياد الميلاد. وأسفر ذلك التفشي عن 34 إصابة مؤكدة و11 حالة وفاة، ما سلط الضوء على إمكانية حدوث “تفشيات فائقة” في ظروف معينة.
ويشير أطباء إلى أن بعض المرضى قد يكونون أكثر قدرة على نشر الفيروس من غيرهم بيولوجيًا، وهو ما يفسر ظهور مثل هذه الحالات الاستثنائية.
فترة الحضانة وصعوبة الاكتشاف المبكر
من التحديات الكبرى المرتبطة بفيروس “أنديز” أن فترة حضانته قد تمتد من 9 إلى 40 يومًا، وهي فترة طويلة نسبيًا تجعل اكتشاف الحالات مبكرًا أمرًا صعبًا، خاصة لدى الأشخاص الذين لا تظهر عليهم أعراض واضحة في البداية.
ويحذر خبراء من أن أي حالات جديدة مرتبطة بالتفشي الحالي قد تظهر خلال الأسابيع المقبلة، نظرًا لطبيعة الفيروس البطيئة في بعض الأحيان قبل تطور الأعراض الحادة.
الأعراض: من البسيط إلى الانهيار السريع
تبدأ الإصابة غالبًا بأعراض عامة وغير محددة، مثل الصداع وآلام العضلات وآلام البطن، وهي أعراض قد تتشابه مع العديد من الأمراض الفيروسية الأخرى، ما يجعل التشخيص المبكر صعبًا.
لكن خلال أيام قليلة، قد تتطور الحالة بشكل مفاجئ إلى مرحلة خطيرة تشمل صعوبات تنفس حادة وفشلًا في الجهاز التنفسي وانهيارًا في وظائف القلب والدورة الدموية.
ويؤكد أطباء أن بعض الحالات يمكن أن تتدهور خلال ساعات فقط، ما يجعل المرض من أخطر أنواع الفيروسات ذات التطور السريع.
لماذا يعد فيروس أنديز مميتًا؟
تكمن خطورة فيروس هانتا بشكل عام، وسلالة أنديز بشكل خاص، في تأثيره المباشر على الأعضاء الحيوية مثل الرئتين والكلى، ما يؤدي إلى متلازمة تُعرف باسم “الصدمة القلبية الرئوية”.
وتشير بيانات طبية إلى أن نحو 40% من المصابين قد يعانون من أعراض خفيفة، بينما يتطور لدى 60% منهم شكل شديد من المرض، تصل فيه نسبة الوفاة إلى ما بين 30% و40%، وقد ترتفع في بعض الحالات إلى 50%.
ويرجح الأطباء أن جزءًا كبيرًا من الضرر لا ينتج فقط عن الفيروس نفسه، بل عن الاستجابة المناعية المفرطة للجسم، والتي تؤدي إلى انهيار مفاجئ في وظائف الأعضاء.
التشخيص والفحوصات
يتم تأكيد الإصابة بفيروس هانتا عبر فحوصات مخبرية تشمل اختبارات الدم لرصد الأجسام المضادة، مثل IgM وIgG، إضافة إلى فحوصات تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR) التي تكشف المادة الوراثية للفيروس.
وتُستخدم هذه التقنية أيضًا في تشخيص العديد من الأمراض الفيروسية، وقد أثبتت فعاليتها في الكشف المبكر عن العدوى، رغم أن بعض الحالات قد لا تظهر نتائج إيجابية في المراحل الأولى من الإصابة.
العلاج: دعم طبي دون علاج نوعي
حتى الآن، لا يوجد علاج نوعي مضاد لفيروس هانتا أو لسلالة أنديز تحديدًا، ويعتمد الأطباء على ما يُعرف بـ”الرعاية الداعمة”، والتي تشمل دعم التنفس عبر أجهزة التهوية الاصطناعية، وتقديم السوائل الوريدية، واستخدام أدوية لرفع ضغط الدم عند الحاجة.
وفي الحالات الحرجة، قد يُلجأ إلى أجهزة متقدمة مثل “الأكسجة الغشائية خارج الجسم”، والتي تتولى مؤقتًا وظيفة القلب والرئتين، إضافة إلى أدوية دعم الدورة الدموية لضمان وصول الأكسجين إلى الأعضاء الحيوية.
تقييم المخاطر
ورغم خطورة التفشي الحالي، يؤكد خبراء الصحة أن الوضع لا يشبه الأوبئة التنفسية واسعة الانتشار، وأن احتمال انتقال العدوى إلى عامة السكان يبقى محدودًا، خصوصًا خارج نطاق المخالطة المباشرة.
ومع ذلك، فإن طول فترة الحضانة وصعوبة الكشف المبكر يجعلان مراقبة الحالات أمرًا ضروريًا خلال الأسابيع المقبلة، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الطبية المستمرة على متن السفينة وفي محيط الحالات المصابة.

