تعيش ألمانيا حالة من الجدل الأمني والسياسي المتصاعد، بعد تصاعد تحذيرات أجهزة الاستخبارات من احتمال تنفيذ هجمات مرتبطة بإيران داخل الأراضي الألمانية، في إطار ما يُعرف بـ”حرب الوكلاء”، وهو ما يقابله موقف حكومي يميل إلى التهدئة وتقليل حجم التهديدات المعلنة.
فبينما تؤكد الحكومة الألمانية أن المخاطر “محدودة أو افتراضية”، ترى أجهزة الاستخبارات، خصوصًا على مستوى الولايات، أن التهديدات أكثر واقعية وتعقيدًا مما يتم الإعلان عنه رسميًا، الأمر الذي خلق فجوة واضحة في تقدير الموقف الأمني داخل مؤسسات الدولة.
خلاف داخل الدولة حول حجم الخطر
أفادت مصادر أمنية أن هناك انقسامًا غير معلن بين المستشارية والداخلية من جهة، وبين أجهزة الاستخبارات من جهة أخرى، بشأن طريقة التعامل مع التهديدات المرتبطة بإيران.
فالمستشار الألماني فريدريش ميرتس ووزير الداخلية ألكسندر دوبريندت تبنّيا خطابًا عامًا يصف التهديدات بأنها “نظرية”، رغم الاعتراف بوجود مؤشرات على تحركات إيرانية داخل أوروبا.
في المقابل، حذّرت أجهزة الاستخبارات من أن الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، قد تنعكس على الداخل الأوروبي عبر عمليات غير مباشرة أو “هجينة”، قد تشمل تجنيد وكلاء أو استخدام شبكات إجرامية لتنفيذ عمليات داخل ألمانيا.
تصاعد التحذيرات الأمنية
تشير تقارير أمنية إلى أن عدد المخططات المرتبطة بإيران أو جماعات مرتبطة بها في ألمانيا وحدها قد يصل إلى نحو 50 مخططًا مشبوهًا خلال السنوات الأخيرة، ما يثير قلق الأجهزة الأمنية بشأن طبيعة التهديدات وتطورها.
وتتهم أجهزة الاستخبارات طهران بتوسيع نطاق نشاطها خارج الشرق الأوسط، معتمدًة بشكل متزايد على “الوسطاء” أو الوكلاء بدلًا من تنفيذ العمليات مباشرة، في أسلوب مشابه لنهج استخباراتي روسي يُستخدم لتقليل إمكانية التتبع.
“حرب بالوكالة” وشبكات إجرامية
وتشير المعلومات الاستخباراتية إلى أن طهران باتت تعتمد بشكل متزايد على شبكات إجرامية منظمة، بما في ذلك عصابات ووسطاء في أوروبا، لتنفيذ عمليات معقدة يصعب تتبع مصدرها المباشر.
كما لوحظ وجود محاولات تجنيد لأشخاص من أصول إيرانية أو لديهم روابط اجتماعية مع إيران، ما يعزز قدرة هذه الشبكات على التحرك داخل المجتمعات الأوروبية.
مخاوف من استهداف المعارضين
لم تقتصر المخاوف الأمنية على المؤسسات الغربية، بل امتدت لتشمل معارضين إيرانيين مقيمين في ألمانيا، حيث أفادت تقارير بأن عناصر مرتبطة بالاستخبارات الإيرانية قد شاركت في مراقبة تجمعات معارضة، ووقعت حالات تهديد واعتداءات محدودة على بعض المشاركين.
وخلال مظاهرة كبيرة في مدينة ميونخ شارك فيها مئات الآلاف من المعارضين، أفادت مصادر أمنية بوجود عناصر استخباراتية إيرانية حاولت رصد المشاركين واستهداف بعضهم عبر تهديدات مباشرة.
الحكومة الألمانية بين التهدئة والتحذير
ورغم تصاعد هذه المؤشرات، تواصل الحكومة الألمانية تبني خطاب حذر، إذ تؤكد عدم وجود دلائل على ارتفاع مباشر في مستوى التهديد الداخلي، مع اتخاذ إجراءات أمنية مشددة حول المؤسسات الحساسة مثل السفارات والمراكز اليهودية.
لكن مسؤولين أمنيين يرون أن هذا الخطاب قد يقلل من وعي الجمهور بخطورة الوضع، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالأمن الداخلي والهجمات غير التقليدية.
لا يقتصر القلق على ألمانيا وحدها، بل يمتد إلى عدة دول أوروبية، وسط تحذيرات من أن “حرب الشرق الأوسط” قد تنتقل تدريجيًا إلى ساحات جديدة عبر عمليات غير مباشرة، تستهدف إرباك الدول الغربية سياسيًا وأمنيًا.
ويحذر خبراء من أن استمرار التصعيد الإقليمي قد يدفع إلى موجة جديدة من العمليات السرية التي تعتمد على الوكلاء، بدلًا من المواجهة المباشرة، ما يجعل تتبعها ومنعها أكثر صعوبة.

