أصبحت السعودية ضمن قائمة أكبر 10 مانحين لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، في تحول يعكس توسع دورها في منظومة التمويل الصحي الدولي، بالتوازي مع تغيّرات كبيرة يشهدها هيكل الدعم المالي للمنظمة بعد انسحاب الولايات المتحدة.
وبحسب بيانات مالية حديثة، قدّمت السعودية نحو 92 مليون دولار لميزانية برامج المنظمة خلال عام 2025، ما رسّخ موقعها ضمن قائمة كبار المانحين إلى جانب الصين وألمانيا والمملكة المتحدة.
نمو كبير في التمويل الطوعي السعودي
تشير البيانات إلى أن الجزء الأكبر من مساهمات السعودية يأتي من التمويل الطوعي، والذي سجل نموًا بنسبة 168%، إذ ارتفع من 31.7 مليون دولار في 2024 إلى 85.2 مليون دولار في 2025.
ويُخصص جزء مهم من هذه التمويلات لدعم إقليم شرق المتوسط، مع تركيز واضح على الاستجابة للطوارئ الصحية، إضافة إلى برامج مكافحة الأمراض المعدية، وفي مقدمتها جهود استئصال شلل الأطفال.
وأدى انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية إلى إعادة توزيع النفوذ المالي داخل المؤسسة، حيث تراجعت مساهمتها التقليدية التي كانت تمثل أحد أعمدة التمويل الرئيسية للمنظمة.
وفي هذا السياق، برزت مؤسسة بيل ومليندا غيتس كأكبر ممول حالي للمنظمة، تليها مبادرات صحية كبرى مثل تحالف اللقاحات “غافي” والمفوضية الأوروبية، إلى جانب استمرار مساهمات دول كبرى مثل الصين وألمانيا والمملكة المتحدة.
تباين في مساهمات القوى الكبرى
تشير البيانات المالية المدققة للمنظمة إلى استمرار وجود الدول الكبرى ضمن قائمة المانحين، رغم تباين مستويات الدعم، حيث سجلت مساهمات ألمانيا انخفاضًا بنسبة 11%، بينما تراجعت مساهمات المملكة المتحدة بنسبة 62% مقارنة بالعام السابق.
ويعكس هذا التغير تقلبات في أولويات التمويل الدولي للصحة العامة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تمويل مستدام ومستقر.
يحذر مسؤولون وخبراء داخل المنظمة من استمرار الفجوة التمويلية، حيث أظهرت البيانات المالية الأخيرة أن نفقات المنظمة خلال 2025 تجاوزت إيراداتها، ما أدى إلى عجز قدره 39 مليون دولار.
كما أشار المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس إلى وجود فجوة تمويلية أوسع تصل إلى نحو 660 مليون دولار للفترة 2026–2027، ما يثير مخاوف بشأن قدرة المنظمة على تنفيذ برامجها الأساسية.
مشكلة “تقييد التمويل” تعرقل مرونة المنظمة
إلى جانب نقص التمويل، تواجه المنظمة تحديًا آخر يتمثل في ارتفاع نسبة التمويل المقيّد، أي الأموال المرتبطة بمشروعات محددة يحددها المانحون، ما يقلل من مرونة المنظمة في توجيه الموارد حسب الأولويات.
ووفق بيانات 2025، بلغ إجمالي التمويل الطوعي نحو 2.5 مليار دولار، لكن الجزء غير المقيّد منه لم يتجاوز 214 مليون دولار فقط، ما يعكس فجوة كبيرة في التمويل المرن.
يرى خبراء أن هذا النموذج المالي يضع قيودًا على استقلالية المنظمة، ويؤثر على قدرتها في جذب الكفاءات وتوزيع الموارد بفعالية.
ويحذر مسؤولون سابقون في المنظمة من أن الاعتماد المفرط على التمويل المقيّد قد يحد من قدرة المنظمة على أداء دورها الفني والعلمي بكفاءة، داعين إلى إصلاحات هيكلية تعيد التوازن بين استقلالية القرار ومتطلبات التمويل.

