أعاد تفشي حالات مرضية تنفسية حادة على متن سفينة سياحية في المحيط الأطلسي فيروس «هانتا» إلى واجهة الاهتمام العالمي، وسط تساؤلات حول إمكانية تحوله إلى مصدر تهديد صحي واسع النطاق.
وحتى الرابع من مايو، أعلنت منظمة الصحة العالمية تسجيل سبع حالات بين ركاب وطاقم السفينة «إم/في هونديوس»، بينها حالتان مؤكدتان مخبرياً وخمس حالات مشتبه بها، إضافة إلى ثلاث وفيات.
وكانت السفينة قد انطلقت من الأرجنتين، ولا تزال راسية قبالة سواحل الرأس الأخضر.
ويُعد فيروس «هانتا» مجموعة من الفيروسات التي تنتقل أساساً إلى البشر عبر ملامسة بول القوارض المصابة أو فضلاتها أو لعابها، وغالباً من خلال استنشاق جزيئات دقيقة تنتشر في الهواء عند تحريك هذه المخلفات.
وفي الأمريكتين، تتسبب بعض السلالات فيما يُعرف بـ«متلازمة هانتا الرئوية»، وهي عدوى تنفسية خطيرة تبدأ بأعراض شبيهة بالإنفلونزا، مثل الحمى والصداع وآلام العضلات واضطرابات الجهاز الهضمي، قبل أن تتطور سريعاً إلى ضيق حاد في التنفس وامتلاء الرئتين بالسوائل وحالات صدمة قد تكون قاتلة.
وتتراوح معدلات الوفاة الناتجة عن هذه المتلازمة بين 20 و50 في المئة، بينما تسجل الولايات المتحدة معدلات تتراوح بين 35 و38 في المئة.
أما في أوروبا وآسيا، فتتسبب سلالات أخرى مرتبطة بالفيروس فيما يعرف بـ«الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية»، وهي حالة تؤثر على الكلى وتتميز عادة بمعدلات وفاة أقل، تتراوح بين أقل من 1 في المئة و15 في المئة.
ويظل انتقال العدوى بين البشر نادراً للغاية، ويرتبط غالباً بسلالات محددة مثل «فيروس الأنديز» في أميركا الجنوبية، ولا يُعد سلوكاً شائعاً لمعظم فيروسات هانتا.
حادثة السفينة والسياق الراهن
تشير التقديرات الأولية إلى أن حالات السفينة السياحية ربما ارتبطت بتعرض سابق للفيروس قبل الصعود إلى متنها، بينما لا تزال التحقيقات جارية بشأن احتمال حدوث انتقال محدود للعدوى على متن السفينة في ظروف احتكاك مباشر وقريب.
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن مستوى الخطر على السكان عالمياً لا يزال «منخفضاً»، مشددة على أن الحادثة لا تمثل بداية لجائحة جديدة، نظراً إلى أن فيروس هانتا لا ينتقل بسهولة بين البشر، بخلاف الفيروسات التنفسية واسعة الانتشار مثل «كوفيد-19».
وخلال عام 2025، سجلت دول الأميركتين 229 إصابة و59 وفاة مرتبطة بالفيروس في ثماني دول، بمعدل وفيات بلغ نحو 25.7 في المئة، مع ارتفاع ملحوظ للنشاط الوبائي في بوليفيا وباراغواي.
وفي الولايات المتحدة، يبقى الفيروس نادراً نسبياً، إذ تم تسجيل نحو 890 حالة فقط منذ بدء عمليات الرصد عام 1993، معظمها في الولايات الغربية ومرتبطة بفئران الغزلان. وعادة ما ترتبط زيادة الإصابات بتنامي أعداد القوارض أو توسع النشاط البشري في المناطق الريفية والبرية.
لماذا لا يثير الفيروس قلقاً عالمياً واسعاً؟
تؤكد منظمات وخبراء الصحة، من بينهم منظمة الصحة العالمية والمراكز الأمريكية والأوروبية لمكافحة الأمراض، أن فيروس هانتا يمثل خطراً حيوانياً جدياً على الأفراد المعرضين له، لكنه لا يمتلك حالياً مقومات الانتشار العالمي المستدام.
ويعود ذلك إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها أن انتقال العدوى يعتمد أساساً على القوارض وليس على انتقال فعال بين البشر، إضافة إلى عدم توفر لقاح معتمد أو علاج مضاد للفيروس بشكل مباشر، إذ تقتصر الرعاية الطبية على التدخلات الداعمة وتحسين فرص النجاة عبر التشخيص المبكر.
كما أن معظم الإصابات ترتبط ببيئات ريفية أو مناطق موبوءة بالقوارض، مثل المخازن والمزارع وأماكن التخييم، ما يجعل خطر التعرض اليومي في المدن محدوداً للغاية.
وتبقى التفشيات عادة محصورة جغرافياً ومرتبطة بظروف بيئية تزيد من احتمالات الاحتكاك بين الإنسان والقوارض.
وتتركز استراتيجيات الصحة العامة على مكافحة القوارض، وتجنب ملامسة فضلاتها، واتباع إجراءات تنظيف وتهوية آمنة في المناطق المشتبه بتلوثها.
كما يُنصح المسافرون إلى المناطق الموبوءة باتخاذ احتياطات وقائية، رغم أن السلطات الصحية لا ترى في السفر أو الرحلات البحرية خطراً مرتفعاً وفق المعطيات الحالية.
ورغم أن ارتفاع معدلات الوفاة في بعض حالات «متلازمة هانتا الرئوية» يفرض قدراً كبيراً من الحذر واليقظة، خصوصاً في الأمريكتين، فإن الفيروس لا يُظهر حتى الآن الخصائص التي تؤهله للتحول إلى جائحة عالمية.
ويواصل الباحثون حالياً إجراء تحليلات جينية للحالات المرتبطة بالسفينة السياحية، إلى جانب مراقبة تطورات أعداد القوارض وأنماط انتشار الفيروس، بهدف فهم أوسع لطبيعة المخاطر المحتملة.
وفي الوقت ذاته، يوصي مسؤولو الصحة العامة بالتركيز على إجراءات الوقاية العملية، مثل إحكام إغلاق المنازل لمنع دخول القوارض، واستخدام الكمامات والقفازات عند تنظيف الأماكن الملوثة المحتملة، وطلب الرعاية الطبية فور ظهور أعراض بعد التعرض المحتمل للفيروس.

