كشفت تقارير أمريكية حديثة عن تفاقم أزمة الملاحة في مضيق هرمز، مع استمرار تعطل حركة السفن التجارية منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أواخر فبراير 2026.
وبحسب المعطيات الأمريكية، يتراوح عدد السفن التجارية العالقة داخل الخليج العربي وفي محيط المضيق بين 1550 و1600 سفينة، وعلى متنها أكثر من 22 ألف بحّار وفني وتقني يواجهون أوضاعاً بالغة الخطورة، وفق ما أكده رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دان كاين.
ويشهد المضيق، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، شللاً شبه كامل لحركة الملاحة منذ بدء العمليات العسكرية، بعدما ردّت طهران على الضربات الأمريكية والإسرائيلية بإطلاق صواريخ ومسيّرات، تزامناً مع تهديدات من «الحرس الثوري» الإيراني باستهداف السفن ومنع العبور عبر المضيق، كما أعلنت القوات الأمريكية أن إيران قامت بزرع ألغام بحرية في المنطقة.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إطلاق مبادرة إنسانية حملت اسم «مشروع الحرية»، هدفت إلى تأمين ممر آمن للسفن التجارية عبر هرمز، إلا أن المبادرة لم تستمر سوى 48 ساعة، وتمكنت خلالها سفينتان فقط من المغادرة، قبل أن يتم تعليقها لإفساح المجال أمام المسار التفاوضي غير المباشر الجاري مع إيران بوساطة باكستانية.
وأكدت شركة الشحن الدنماركية العملاقة «ميرسك» أن إحدى سفنها كانت ضمن السفينتين اللتين تمكنتا من الخروج بمساعدة القوات الأمريكية، مشيرة إلى أن السفينة بقيت عالقة داخل الخليج منذ بداية التصعيد العسكري.
وكان وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث قد أوضح أن «مشروع الحرية» يهدف حصراً إلى إعادة فتح الممر الملاحي أمام السفن التجارية، منفصلاً عن العمليات العسكرية الأخرى، متهماً إيران باستخدام المضيق كورقة ضغط ووسيلة لابتزاز الاقتصاد العالمي، من خلال استهداف السفن المدنية وتهديد سلامة البحّارة.
ورغم التحركات الأمريكية، أظهرت بيانات مؤسسة «لويدز ليست إنتليجنس» تراجعاً إضافياً في أعداد السفن العابرة للمضيق، إذ انخفض متوسط الحركة الأسبوعية من 44 إلى 36 سفينة فقط، مقارنة بأكثر من 120 سفينة كانت تعبر هرمز يومياً في الظروف الطبيعية، علماً بأن المضيق يمثل ممراً لنحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية.
ويرى مسؤولون وخبراء في قطاع الشحن أن الشركات البحرية ما زالت مترددة في استئناف العبور، بسبب استمرار المخاطر العسكرية فوق الممر البحري البالغ طوله نحو 33 كيلومتراً، مؤكدين أن عودة الملاحة إلى طبيعتها تتطلب اتفاقاً طويل الأمد مدعوماً بضمانات أمنية واضحة.
وفي هذا السياق، قال مدير الاتصالات في شركة «هاباج – لويد» الألمانية، نيلز هاوبت، إن الشركة كانت تدرس الاستعانة بمرافقة عسكرية أميركية لإخراج سفنها الأربع المتبقية من المنطقة، قبل تعليق المبادرة الأمريكية، مضيفاً أن التطورات الميدانية الجديدة دفعت الشركة إلى إعادة تقييم جدوى هذه الخطوة وآليات تنفيذها.
من جانبه، شدد الجنرال دان كاين على أن إيران كثّفت خلال الأسابيع الماضية عمليات تهديد واستهداف السفن التجارية بهدف تعطيل حركة التجارة العالمية والإضرار بالاقتصاد الدولي، معتبراً أن طهران تحاول تحويل أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى أداة ضغط استراتيجية.
كما حذر الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز من خطورة استمرار الأزمة، مشيراً إلى وجود نحو 1500 سفينة وما يقارب 20 ألفاً من أفراد الطواقم البحرية عالقين حالياً في المنطقة، ومؤكداً أن النقل البحري لا يزال مسؤولاً عن أكثر من 80 في المئة من حركة البضائع العالمية.
ووفق بيانات المنظمة البحرية الدولية، تعرضت 32 سفينة خلال ذروة التصعيد لهجمات صاروخية، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 12 آخرين على الأقل، في وقت دعت فيه المنظمة السفن إلى الالتزام بأقصى درجات الحذر، مؤكدة أن المرافقة العسكرية لا تمثل حلاً دائماً للأزمة.
بدوره، أكد المدير التنفيذي لميناء لوس أنجليس جين سيروكا أن شركات الشحن العالمية لن تستعيد ثقتها بالملاحة في مضيق هرمز إلا بعد التوصل إلى اتفاق سلام فعلي ومستدام يمكن التحقق من تنفيذه على الأرض، مشيراً إلى أن غالبية الشركات لا تزال ترفض المجازفة بسفنها وأطقمها حتى مع وجود حماية عسكرية أميركية.
وأضاف أن المخاطر المالية لا تقل خطورة عن التهديدات الأمنية، إذ إن أي استهداف لسفينة تجارية قد يكلّف الشركات خسائر بملايين الدولارات، خصوصاً في ظل البنود الخاصة بالحروب في عقود التأمين، والتي لا تلزم شركات التأمين بتغطية السفن العالقة داخل مناطق النزاع، ما يرفع الكلفة التشغيلية والتأمينية إلى مستويات غير مسبوقة.

