د. سعود النداح
أغلب التحولات الكبرى في الإنسان لا تحدث في لحظة درامية كما يتصور الناس. وليس من الضروي ان تكون بعد إنهيار وتشتت كبير. تبدأ من تفاصيل صغيرة جداً لا ينتبه لها أحد. فكرة تغيّرت أو شعور فقد معناه أو موقف مر مروراً عادياً عند الجميع بينما ترك داخله أثراً عميقاً لا يراه أحد.
لهذا أحياناً يستيقظ الإنسان ويشعر أن النسخة القديمة منه أصبحت بعيدة رغم أنها كانت تمثله تماماً يوماً ما. الأشياء التي كانت تستفزه لم تعد تستحق، العلاقات التي كان يقاتل لأجلها أصبحت عادية، حتى أحلامه القديمة قد ينظر إليها لاحقاً ويتساءل كيف كان يظن أنها كل شيء.
المشكلة أن المجتمع لا يحب التحولات الهادئة. الناس تريد منك نسخة ثابتة يمكن توقعها دائماً. يريدون نفس ردود الفعل ونفس الاهتمامات ونفس طريقة التفكير. وحين تتغير يبدأ السؤال المعتاد. ماذا حدث لك؟ بينما الحقيقة أن الذي حدث غالباً هو النضج.
الإنسان الطبيعي ليس شخصاً ثابتاً. الإنسان الحقيقي مشروع مستمر من المراجعة وإعادة التشكيل. كل مرحلة عمرية تترك أثراً وكل تجربة تعيد ترتيب شيء داخلك حتى الصدمات التي ظننت أنك تجاوزتها قد تغيّر طريقة رؤيتك للحياة دون أن تشعر.
ولهذا بعض الأشخاص يصبح أكثر هدوءاً مع الوقت. لأن اكتشف متأخراً أن كثيراً من المعارك لا تستحق الطاقة التي تُهدر فيها. وبعضهم يصبح أكثر عزلة لأنه أدرك أن الضجيج الاجتماعي لا يعني القرب الحقيقي. وبعضهم يتغير فكره بالكامل لأن التجربة علّمته ما لم تكن الكتب قادرة على شرحه.
المثير أن أخطر التحولات ليست التي تغيّر سلوك الإنسان أمام الناس. أخطرها التي تغيّر شعوره الداخلي تجاه الحياة. حين يفقد انبهاره القديم. حين يصبح أكثر وعياً بزيف بعض الأشياء. حين يدرك أن كثيراً مما كان يطارده لم يكن يستحق كل ذلك القلق.
ومع هذا كله يبقى أجمل أنواع النضج أن يتغير الإنسان دون أن يفقد مبادئه. أن تتطور قناعاته دون أن يخسر أخلاقه. أن يصبح أكثر وعياً دون أن يتحول إلى نسخة قاسية أو متعالية. لأن القيمة الحقيقية أن تعرف متى تتغير وماذا يجب أن يبقى ثابتاً داخلك مهما تبدلت الحياة

