بعد أسابيع من تحول محرك المحيط الهادئ، الذي يساعد في توجيه طقس العالم، إلى الوضع المحايد، يركز خبراء الأرصاد الجوية والعلماء حالياً بشكل مكثف على الإشارات المتطورة لمرحلته الدافئة المعروفة بظاهرة «إل نينيو».
ولا تزال قوة هذا التحول قيد الدراسة؛ إذ يعتقد بعض العلماء أن هذه الموجة قد تكون «من بين أقوى موجات إل نينيو التي شهدت في التاريخ الحديث»، وتظهر جميع نماذج التنبؤ العالمية تقريباً تشكل الظاهرة في الأسابيع المقبلة.
وفي هذا الصدد، قال زيك هاوسفاتر، مدير المناخ والطاقة في معهد بريك ثرو وباحث في منظمة «بيركلي إيرث»: «تشير التقديرات المتوسطة إلى أننا أمام حدث قوي للغاية، وهذا قد يضعنا على مسار حدث هو من بين الأقوى في التاريخ الحديث، رغم أنه من السابق لأوانه الجزم بذلك بيقين تام».
وتثير احتمالية حدوث «إل نينيو» قوية مخاوف من حرارة إضافية، بما في ذلك موجات الحر البحرية، التي تتراكم فوق الاحترار المناخي طويل الأمد، لا سيما وأنها تأتي في وقت كانت فيه درجات الحرارة أعلى من المعتاد في أجزاء واسعة من الغرب والمحيط الهادئ لأشهر.
وتطلق التوقعات إنذارات عالمية بسبب النفوذ القوي للظاهرة على الطقس، حيث ارتبطت تاريخياً بتأجيج حرائق الغابات، والتسبب في فيضانات عارمة وموجات جفاف ممتدة، فضلاً عن تبييض الشعاب المرجانية وتعطيل هجرة الكائنات البحرية.
ومع ذلك، لا يزال الغموض قائماً، إذ يُعد فصل الربيع وقتاً صعباً لنماذج التنبؤ، وفي تحديثها لشهر أبريل، قدرت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي «NOAA» فرص حدوث «إل نينيو» قوية بنسبة 1 من 4، ومنذ ذلك الحين، استمرت درجات حرارة سطح المحيط في الارتفاع.
وتعد ظاهرة «إل نينيو-التذبذب الجنوبي» الدافع المناخي الأكثر تأثيراً على وجه الأرض، وفقاً للمعهد التعاوني لأبحاث العلوم البيئية بجامعة كولورادو.
وتدور هذه الدورة الطبيعية في المحيط الهادئ بين ثلاث مراحل: «إل نينيو»، و«لا نينيا»، والمرحلة المحايدة. وبسبب شساعة المحيط الهادئ، فإن أي اضطراب فيه يؤثر على الغلاف الجوي وتوزيع درجات الحرارة وهطول الأمطار عالمياً.
وقد وصفت الإدارة الوطنية ذلك سابقاً بأن «وصول إل نينيو في المحيط الهادئ يشبه عملاقاً يقرع جرساً بصوت عالٍ لدرجة أنه يسقط الأطباق من على الرفوف في منزل بآخر الشارع».
ومع تلاشي المرحلة الباردة «لا نينيا» في أوائل أبريل، تشير بيانات الأقمار الصناعية إلى ارتفاع حاد في درجات حرارة سطح البحر في المحيط الهادئ، ولكن إعلان ظاهرة «إل نينيو» يتطلب استمرار هذا الدفء لفترة معينة وتفاعل الرياح التجارية معه.
وبينما تتزايد احتمالات حدوث ظاهرة قوية، يحذر بريان مكنولدي، باحث مشارك في جامعة ميامي، من المبالغة قائلاً إن الإجماع الحالي يشير إلى «إل نينيو» قوية «متوسطة» وليس حدثاً تاريخياً.
وتتأثر القوة النهائية بعدة عوامل، من بينها أنماط الطقس المحيطة، وتطبيق مؤشرات معدلة تستبعد تأثير «الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية» لقياس قوة الظاهرة بشكل أدق.
ولا تتصرف كل موجات «إل نينيو» بالطريقة ذاتها؛ فالموجات الأقوى مثل أعوام 1982-1983، و1986-1987، و2015-2016 تسببت في كوارث متباينة.
وقد شبه العالم ديكي أرندت الظاهرة بـ “النادل في مقهاك المفضل”، موضحاً: «في بعض الأحيان، إل نينيو هو النادل الذي لا يحضر لك ما طلبته»، في إشارة إلى عدم حتمية تكرار نفس التأثيرات السابقة.
ورغم أن «إل نينيو» تميل إلى تقليل نشاط الأعاصير الاستوائية في المحيط الأطلسي عبر رياح هابطة تمنع تشكلها، إلا أن مركز الأعاصير الوطني يحذر من أن الأعاصير الكبرى والمدمّرة لا تزال ممكنة الحدوث، خاصة في “خليج أمريكا”.
وفي الوقت ذاته، يبقي الباحثون أعينهم على التأثيرات المتبقية من «لا نينيا» السابقة، والتي أظهرت دراسات أنها ترتبط بـ «احتمالية نشاط واسع النطاق لحرائق الغابات» في عدة مناطق خلال فصل الربيع.

