تواجه شركة سامسونغ للإلكترونيات واحدة من أخطر أزماتها العمالية في السنوات الأخيرة، بعدما تحوّل الخلاف بين الإدارة وأكبر نقابة عمالية داخل الشركة إلى تهديد مباشر لاستقرار قطاع أشباه الموصلات عالمياً.
وتتمحور الأزمة حول مطالب تتعلق بالأجور والمكافآت وآلية توزيع الأرباح، في ظل شعور متزايد لدى العاملين بأنهم لا يستفيدون بشكل عادل من الطفرة الكبيرة في أرباح الشركة الناتجة عن الطلب العالمي على رقائق الذكاء الاصطناعي.
وبحسب تقارير إعلامية من بينها “يونهاب” و”رويترز”، تتابع الحكومة الكورية الجنوبية التطورات عن كثب، وتدرس خيار “التحكيم الطارئ” لتفادي توقف واسع في الإنتاج، لما قد يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية تمس الصادرات والنمو والاستقرار المالي في البلاد.
وتعد سامسونغ أكبر شركة في العالم في تصنيع رقائق الذاكرة، وتتعامل مع عمالقة التكنولوجيا مثل إنفيديا وAMD وغوغل، كما تمثل نحو 22.8% من صادرات كوريا الجنوبية، وتوظف أكثر من 120 ألف موظف، ما يجعل أي اضطراب في عملياتها ذا تأثير عالمي مباشر.
مطالب نقابية متصاعدة وإضراب واسع النطاق
تعود جذور الأزمة إلى مطالبات نقابية متزايدة بإعادة هيكلة نظام المكافآت وربطه بشكل مباشر بأرباح التشغيل، إلى جانب تحسين الرواتب ورفع مستوى الشفافية في آليات توزيع الحوافز. وتطالب النقابة بإلغاء سقف المكافآت الحالي وربط ما يصل إلى 15% من الأرباح التشغيلية السنوية مباشرة بالعاملين.
ومع توسع عضوية النقابة إلى أكثر من 90 ألف عامل، أي ما يزيد على 70% من القوة العاملة المحلية، تصاعدت حدة الضغط على إدارة الشركة، خاصة بعد فشل عدة جولات من التفاوض بوساطة حكومية خلال مايو 2026. وعلى إثر ذلك، أعلنت النقابة المضي في إضراب واسع يمتد لمدة 18 يوماً، بمشاركة قد تتجاوز 43 ألف عامل، وهو ما يثير مخاوف جدية من تعطل خطوط الإنتاج.
في المقابل، رفضت سامسونغ المطالب المتعلقة بتغيير دائم في نظام توزيع الأرباح، معتبرة أن ذلك قد يرفع تكاليف التشغيل ويؤثر على خططها الاستثمارية المستقبلية، فيما اكتفت بعرض مكافآت لمرة واحدة خلال عام 2026، وهو ما قوبل بالرفض من جانب النقابة.
تداعيات اقتصادية وتحذيرات من خسائر ضخمة
دفعت الأزمة رئيس مجلس إدارة سامسونغ، جاي واي لي، إلى تقديم اعتذار علني نادر، في محاولة لاحتواء حالة التوتر المتصاعدة داخل الشركة. وفي الوقت ذاته، تدخلت الحكومة الكورية بشكل مباشر، معلنة استعدادها لاستخدام جميع الأدوات القانونية، بما في ذلك التحكيم الطارئ الذي يتيح تعليق الإضراب لمدة 30 يوماً إذا اعتُبر تهديداً للاقتصاد الوطني.
وتحذر التقديرات الحكومية من أن توقف مصانع الرقائق ليوم واحد فقط قد يؤدي إلى خسائر تقارب تريليون وون، أي ما يعادل نحو 667 مليون دولار، بينما قد تصل الخسائر اليومية إلى ما يقارب ملياري دولار في حال تعطلت خطوط الإنتاج بشكل كامل. كما تزداد المخاوف من اضطراب سلاسل توريد الرقائق عالمياً، خصوصاً مع الطلب المتصاعد على شرائح الذكاء الاصطناعي المستخدمة في مراكز البيانات والهواتف والسيارات.
ورغم التصعيد، تشير التطورات الأخيرة إلى عودة المفاوضات بين الطرفين بوساطة حكومية، وسط ترقب عالمي لمآلات الأزمة التي قد تحدد مستقبل أحد أهم أعمدة صناعة التكنولوجيا في العالم.

