سلمان الشريدة
بين التصعيد والتفاوض.. الخليج يقرأ المشهد بعقل الدولة رغم الزخم السياسي والإعلامي الكبير الذي أحاط بالمحادثات الأميركية الإيرانية خلال الأيام الماضية، والحديث المتكرر عن قرب إعلان مذكرة تفاهم أولية قد تقود إلى اتفاق أوسع، إلا أن الأزمة الإيرانية ما زالت تدور في الحلقة ذاتها، بين رسائل التصعيد ومحاولات التهدئة، دون أن تصل حتى الآن إلى نقطة حسم حقيقية.
التصعيد الأخير الذي طال الكويت والبحرين عبر هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة أعاد التأكيد أن الخليج لا يزال في قلب هذه الأزمة، وأن أي تفاوض أميركي إيراني لا يمكن عزله عن الأمن الخليجي واستقرار المنطقة؛ فإيران، رغم استمرارها في التفاوض، ما تزال تستخدم أدوات الضغط الميداني لرفع سقفها السياسي، بينما تحاول واشنطن إبقاء باب التفاهم مفتوحًا لتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة يصعب احتواء تداعياتها.
تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعكس هذا التناقض بوضوح؛ فمن جهة يؤكد استمرار المحادثات مع طهران وينفي توقفها، ومن جهة أخرى يرفع سقف الضغط السياسي والإعلامي بالحديث عن ضرورة التوصل إلى اتفاق “بطريقة أو بأخرى”، مع التأكيد أن واشنطن لن تسمح باستمرار النهج الإيراني لعقود أخرى. وهي رسائل يفهم منها أن الإدارة الأميركية تحاول الجمع بين العصا السياسية والاحتواء العسكري دون الذهاب إلى حرب شاملة.
لكن ما يجب التوقف عنده هو أن دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، تدير هذا المشهد بعقلانية واضحة وقراءة استراتيجية بعيدة عن الانفعال؛ فالمواقف الخليجية منذ بداية التصعيد كانت ثابتة في رفض توسيع دائرة الصراع، مع التأكيد في الوقت ذاته أن أمن الخليج خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
الخليج يدرك أن بعض الأطراف الإقليمية والدولية قد ترى في إشعال المنطقة فرصة لإعادة رسم النفوذ أو فرض وقائع جديدة، ولذلك جاءت السياسة الخليجية قائمة على التهدئة ومنع الانزلاق إلى حرب مفتوحة، دون التهاون في حماية السيادة والأمن الوطني. وهذا التوازن هو ما منح الموقف الخليجي احترامًا دوليًا، لأنه موقف دولة تبحث عن الاستقرار لا عن المغامرات.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي تفسير هذا النهج الحكيم على أنه ضعف أو تردد. فالتاريخ الخليجي، والسعودي تحديدًا، يثبت أن هناك خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها. وما قاله الملك فهد -رحمه الله- أثناء أزمة الكويت حين أكد أن «ما فيه سعودية تبقى وكويت تروح، يانبقى سوا أو نروح سوا»، لم يكن مجرد عبارة عاطفية، بل عقيدة سياسية وأمنية تؤكد أن أمن الخليج كلٌ لا يتجزأ.
اليوم، ما تزال الأمور تحت السيطرة، وما زالت مساحة التفاوض قائمة، لكن الرسالة الخليجية واضحة: السلام خيار استراتيجي، أما إذا فرضت المواجهة لحماية الأمن والسيادة، فإن الخليج سيكون موحدًا كما كان دائمًا في لحظاته المصيرية، لأن أمنه ليس محل مساومة، واستقراره ليس ورقة تفاوض، ووحدة موقفه هي السد الحقيقي أمام أي مشروع يسعى لتحويل المنطقة إلى ساحة فوضى وصراعات مفتوحة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو المنطقة أمام مرحلة دقيقة عنوانها إدارة التوازن لا البحث عن الانتصارات الإعلامية؛ فالجميع يدرك أن أي خطأ في الحسابات قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع لا يملك أحد القدرة على التحكم الكامل بنتائجها.
ولهذا تبدو الحكمة الخليجية اليوم عنصر الاستقرار الأهم في معادلة مضطربة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية.
ولهذا أيضًا، فإن الرهان الحقيقي لا يجب أن يكون على التصعيد، بل على قدرة العقل السياسي في المنطقة على حماية شعوبها ومكتسباتها ومنع تحويل الخليج إلى ساحة استنزاف طويلة. فدول الخليج لم تكن يومًا دعاة حرب، لكنها أيضًا لم تكن يومًا عاجزة عن حماية أمنها عندما تستدعي الضرورة ذلك.

